في السنوات الأخيرة، واجه سوق المنتجات الحلال الفرنسي مفارقةً كبيرة: فبينما أصبح استهلاك الدواجن في البلاد يعتمد بشكل كبير على الواردات، فإن جزءًا كبيرًا من الدجاج المستخدم في سوق المنتجات الحلال والمطاعم العالمية يُستورد أيضًا من دول أوروبية، وخاصةً بولندا.
ويشير موقع إخباري محلي في باريس، في تقرير يستعرض التطورات على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، إلى أن جذور جزء من هذا الوضع تعود إلى الجدل السياسي الذي أحاط بالحلال واللوائح المتعلقة بالذبح الشرعي في عامي 2011 و2012.
وقد تزامن هذا مع فقدان صناعة الدواجن الفرنسية تدريجيًا حصة كبيرة من سوقها المحلي.
ووفقًا للأرقام الواردة في هذا التقرير، في عام 2025، بلغت نسبة الدواجن المستوردة في فرنسا 52.4%، بينما وصلت نسبة الاكتفاء الذاتي للبلاد إلى 67%. كما زادت واردات الدواجن بنسبة 9.5% في العام نفسه مقارنةً بالعام السابق.
ويزداد هذا الاعتماد في قطاع خدمات الطعام والمطاعم، حيث تصل حصة الدواجن المستوردة في بعض أجزاء هذا السوق، وفقًا للتقرير، إلى ما بين 70 و80 بالمئة.
ومن بين الدول المصدرة للدواجن إلى فرنسا، احتلت بولندا مكانة متميزة.
فبحسب البيانات الواردة في التقرير، زودت بولندا فرنسا بنحو 29 بالمئة من وارداتها من لحوم الدواجن عام 2023، تلتها بلجيكا بنسبة 24 بالمئة. كما زادت صادرات بولندا إلى فرنسا بنحو عشرة أضعاف منذ عام 2010.
ويشير التقرير إلى أن هذا التطور لا يُعزى فقط إلى انخفاض تكاليف الإنتاج في أوروبا الشرقية، بل يرتبط جزء منه بتغير موردي سوق المنتجات الحلال.
نقطة التحول؛ الجدل الدائر حول الحلال في عامي 2011 و2012
بحسب الموقع الإلكتروني، بحلول نهاية عام 2011، أصبح موضوع الحلال محور نقاشات عامة متكررة في فرنسا، إلا أن النقاشات انصبت في معظمها على مفاهيم مثل “النزعة الجماعية” و”الأسلمة” بدلاً من التركيز على الاستهلاك، أو شفافية سلسلة التوريد، أو رعاية الحيوان. كما اتخذت مارين لوبان مواقف معارضة للذبح الديني والأغذية الحلال خلال تلك الفترة، وإلى جانبها، أيد جزء من اليمين البرلماني الفرنسي مقترحات ومواقف تتعلق بالذبح الديني.
في ظل هذا المناخ السياسي، أصدرت حكومة فرانسوا فيون المرسوم رقم 2011-2006 في 28 ديسمبر/كانون الأول 2011، والذي بدأ تنفيذه في 1 يوليو/تموز 2012، والذي اشترط الحصول على تراخيص إقليمية للمسالخ التي تُجري الذبح الديني.
وكان الهدف المعلن من هذا المرسوم هو تنظيم ومراقبة الذبح الديني الحلال والكوشر، إلا أن التقرير يشير إلى أن تطبيقه عملياً مارس ضغوطاً على شريحة من المسالخ الفرنسية التي كانت تُجري الذبح دون تخدير.
بحسب ما ورد في الموقع الإلكتروني، اتجهت بعض المسالخ، حفاظًا على تراخيص تشغيلها، نحو استخدام التخدير الكهربائي والصعق الكهربائي على نطاق أوسع، بينما تخلت مسالخ أخرى عن ممارسة الذبح الشرعي دون صعق. كما حذرت هيئة الإشراف على شهادات الحلال (AVS) في عام ٢٠١٢ من عواقب هذه اللوائح، معتقدةً أن الشروط الجديدة قد تثني المسالخ التي كانت تُجري الذبح الشرعي دون صعق عن مواصلة هذا النشاط. ونتيجةً لذلك، اضطر بعض الفاعلين في سوق الحلال إلى البحث عن موردين جدد خارج فرنسا.
بولندا: فرصة انبثقت من نزاعات فرنسا
في هذه المرحلة، أصبحت بولندا أحد الخيارات المهمة للفاعلين في سوق الحلال. ووفقًا لهذا التقرير، استطاع المنتجون البولنديون توفير ما لم يعد بإمكان بعض الفاعلين الفرنسيين في سوق الحلال الحصول عليه بسهولة: طاقة إنتاجية عالية، وإمدادات منتظمة، ومسالخ تسمح بالذبح الشرعي دون صعق وفقًا لاحتياجات بعض العملاء.
يتحدث التقرير عن نشوء مصالح مشتركة بين الفاعلين الاقتصاديين المسلمين الفرنسيين وقطاعات اللحوم في أوروبا الشرقية. قال تاجر جملة فرنسي، أصبح فيما بعد منتجًا ومستوردًا في بولندا، لموقع الكنز إنه كان يعتمد سابقًا على المسالخ المحلية للحصول على اللحوم الفرنسية، لكنه شعر بأن بعض الشخصيات في الصناعة الفرنسية تنظر بازدراء إلى رواد الأعمال المسلمين.
ووفقًا له، بعد تطبيق اللوائح الجديدة، أصبح العمل في سوق الحلال الفرنسي أكثر صعوبة، بينما رأى المنتجون البولنديون، على النقيض، في الفاعلين المسلمين شركاء تجاريين وفرصة للنمو، لا مشكلة.
وأكد موسى ماغايدس، الذي أدار مسلخ لاغيوم للدواجن الحلال في منطقة أبواني بالقرب من أوكسير لما يقرب من عقدين، هذا التوجه في مقابلة مع الموقع، وذكر أن اللوائح المذكورة دفعت العديد من العاملين في مجال الحلال نحو بولندا ورومانيا وإسبانيا، على حساب الصناعة الفرنسية.
وقد ساهم نمو سلاسل المطاعم ومنافذ الوجبات السريعة الحلال في تفاقم هذا التوجه. كما تطلب الطلب المتزايد على الدجاج المُقسّم إلى حصص، بأحجام محددة وبكميات كبيرة، موردين صناعيين وشبكات لوجستية قوية.











