إنّ الغرب المعاصر يضرب بجذوره في روما القديمة؛ تلك الثقافة التي جعلت من سفك الدماء عرضًا للمشاهدة والتسلية. ولكن على الجانب الآخر من التاريخ، صاغت إيران القديمة “ميثاق كورش الكبير لحقوق الإنسان”، الذي غدا رمزًا للعدالة والحضارة والكرامة الإنسانيّة. وهذا المسار بلغ ذروته وكماله الأخلاقيّ والمعنويّ مع ظهور الإسلام وتعاليم أهل بيت النبيّ (عليهم السلام)، ممّا رسّخ قيمًا مثل العدالة وكرامة الإنسان والدفاع عن المستضعفين. ومن هنا، تقف الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة اليوم، بمفردها تقريبًا وبشجاعةٍ لافتةٍ، في وجه “روما الجديدة” المتمثّلة في الهيمنة الأمريكيّة والسياسات الاستعماريّة للغرب.
وفيما يلي، تقرأون مقالًا للكاتب “ع. أجارودي”، يستعرض عبر حساباتٍ إحصائيّةٍ أبعاد العنف الممنهج في تاريخ الحضارة الغربيّة:
الكولوسيوم (Colosseum) هو بناءٌ دائريٌّ يُعدّ من أبرز الآثار التاريخيّة لروما القديمة. قبل 2000 عام، كانت روما تُعدّ من أهمّ مدن العالم، وكان الكولوسيوم أجمل وأروع مبنًى في هذه المدينة. وهذا المبنى الذي صُمّم على هيئة ملعبٍ، وتعرّض للدمار مرّتين بسبب الزلازل، كان يتّسع لأكثر من 50.000 متفرّجٍ.

لم يكن هذا المبنى ملعبًا رياضيًّا بالمعنى المتعارف عليه، بل شُيّد ليكون مكانًا لقتل البشر والحيوانات فقط، من أجل ترفيه الرومانيّين وتسليتهم. وبحسب اعترافات الغربيّين أنفسهم، قُتل أكثر من 500.000 إنسانٍ، وأكثر من 1.000.000 حيوانٍ وحشيٍّ، مثل الأسد والتمساح ووحيد القرن وحتّى الفيل في الكولوسيوم، والهدف الوحيد هو المتعة.
وإذا اعتبرنا العمر المفيد لهذا المبنى 200 عامٍ، يمكننا عبر عمليّةٍ حسابيّةٍ بسيطةٍ معرفة عدد القتلى يوميًّا هناك:
بما أنّ 200 عامٍ، باحتساب 365 يومًا للسنة، تساوي 73.000 يومٍ، وبقسمة عدد القتلى (500.000) على 73.000، نصل إلى الرقم 6.8. وهذا يعني أنّه على مدار مئتي عامٍ، كان يُقتل يوميًّا ما بين 6 إلى 7 أشخاصٍ في هذا الملعب لمجرّد التسلية. وبالطريقة نفسها، كان يُقتل يوميًّا ما بين 12 إلى 13 حيوانًا وحشيًّا طوال تلك الفترة.
وبما أنّ الفكر الغربيّ المعاصر يقوم على الأسس الفلسفيّة والاجتماعيّة والسياسيّة لليونان وروما القديمتين، فليس غريبًا أن يتحوّل قتل البشر، لأجل الترفيه أو الحفاظ على الوجود، إلى نهجٍ شائعٍ في الغرب، وخصوصًا في الولايات المتّحدة.
وفي هذا السياق، اعترف البروفيسور “جون ميرشايمر”، المنظّر السياسيّ والأستاذ البارز في جامعة شيكاغو، بأنّ الأمريكيّين قَتلوا بين عامي 1971 و2021، أي خلال 50 عامًا، أكثر من 38.000.000 إنسانٍ حول العالم. وبقسمة هذا الرقم على 50 عامًا، نحصل على نتيجةٍ مرعبةٍ وهي 760.000 قتيلٍ سنويًّا؛ أي أنّ الأمريكيّين قَتلوا أكثر من 760.000 إنسانٍ في كلّ عامٍ.
والسؤال هنا: أمام هذه الأرقام المفزعة، كيف يمكن الثقة بحسن نيّة الغربيّين في الدفاع عن حقوق الإنسان؟! يقف المرء مذهولًا: أيصدّق شعاراتهم البرّاقة في الدفاع عن حقوق الإنسان، أم جرائمهم الفظيعة؟!
بالطبع، لا يخفى على الأذكياء والمثقّفين أنّه في الوقت الذي كان فيه الرومانيّون- بوصفهم رمزًا للثقافة الغربيّة- يقتلون البشر للترفيه والتسلية، كان الإيرانيّون المتحضّرون يكتبون ميثاق كورش الكبير لحقوق الإنسان… فليقرأ اللبيب ما بين السطور.











