النجف هي أهم مركز علمي إسلامي، ويظهر من بعض النصوص أن طابعها العلمي كان قبل هجرة الشيخ الطوسي إليها عام 448، ولكنها بعد هجرته أخذت تستقبل مئات الطلاب من شتى النواحي والآفاق بمناهج دراسية متكاملة من اللغة، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، إلى الفقه، والأصول، والتفسير، والكلام، والرجال، والفلسفة. وهي حتى اليوم منار للعلم والأدب، تخرّج منها معظم فقهاء الشيعة خلال ألف عام، ونبغ منها الألوف من قادة الأمة ومفكريها، وحملة الرسالة المحمدية.
وبلغ عدد طلاب العلم من المعممين عشرة آلاف على تواتر النقل، كان معظمهم من الغرباء يؤمّون النجف من مختلف الجهات ليتفقهوا في الدين ويعودوا إلى بلدانهم أئمة ووعاظاً وأساتذة وعلماء.(1)
ويقول الشيخ محمد تقي الفقيه: «وطلاب العلم من جميع أقطار الدنيا ومن جميع البلاد الإسلامية، وعددهم يومئذ نحو أربعة عشر ألفًا».(2)
وقال الشيخ الطهراني: «فإن النجف اليوم تضم آلافاً من الأفاضل في أنواع العلوم، وقد سبقهم الآلاف المؤلفة».(3)
وأنت إذا تأملت كلمة الشيخ محمد تقي الفقيه في بحث أحد مراجع النجف الأشرف، أدركت أبعاد هذه الجامعة العلمية وكثرة علمائها وطلابها.
يقول الفقيه أيضاً: «وأوسع درس سمعنا عنه درس المحقق صاحب الكفاية، فقد قيل إن بعضهم أحصى الحضور فيه فكانوا ألفاً ومائتي طالب».(4)
وترجم الشيخ حرز الدين للسيد مهدي الحكيم (المتوفى 1312هـ) فقال: «وكان شريكنا في الاجتماع عصراً للمذاكرة العلمية في مسجد مقام أمير المؤمنين عليه السلام المشهور جنب مقبرة الصفا في النجف، حيث لم يوجد مسجدٌ غيرُ مشغولٍ بالبحث والتدريس حتى الصحن الغروي الأقدس، لرواج سوق العلم في ذلك العصر».(5)
وقال الشيخ محبوبة: «لم تزل النجف منذ هبط إليها شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله سنة 448، وحطّ رحله بها، مركزاً علمياً وجامعة دينية، ينتجع تربتها الخصبة كثير من رواد العلم وطلابه، يغترفون من بحر علومه الغزير، ويرتوون من سلسل منهله النمير، حتى غدت مفعمة بالعلماء، وراج بها سوق العلم، حتى إنك لا تمر بدار من دورها ولا محفل من محافلها إلا وتسمع أصوات المذاكرة بالمسائل العلمية على أنواعها». وقال: «وقد تتبعت أكثر البيوت والطوائف النجفية الموجودة اليوم والمنقرضة، فرأيت لها في القديم ومن مبدأ هجرتها نصيباً في العلم وحظاً في الأدب… حتى إن بعض المشتغلين بالمكاراة الآن كانت لبعض أسلافهم يد في العلم وسهم في الأدب، ومن هذا يُعرف أن جل غايات المجاورين والباعث لهم على الهجرة إلى النجف هو طلب العلم».(6)
مدارسها
هي أكثر الحواضر الإسلامية مدارساً وأقدمها، فهناك مدارس مضى على إنشائها المئات من السنين حتى أصبحت أثراً بعد عين، كمدرسة المقداد السيوري وغيرها. وفيها اليوم حدود 30 مدرسة دينية، بعضها يحتوي على 250 غرفة تقريباً. ومع كثرة هذه المدارس، كان بعض الطلاب لا يجدون محلاً للسكن، مما اضطر السيد الحكيم إلى استئجار فندق للإسكان.
مكتباتها
والنجف الأشرف أقدم المدن إنشاءً للمكتبات، ولعل مكتبة الحرم الشريف يزيد تاريخها على ألف سنة. وجلّ المدارس الدينية فيها مكتبات، وكلّ أهل العلم يملك مكتبة وفقاً لحاجته وإمكانياته. وبلغ من حرصهم على اقتناء الكتب أن الشيخ النوري مرّ ذات يوم في السوق فرأى أصلاً من الأصول الأربعمائة(7) في يد امرأة عرضته للبيع، ولم يكن معه شيء من المال، فباع بعض ما عليه من الألبسة واشترى الكتاب.(8)
ونقل الشيخ محبوبة عن الشيخ علي كاشف الغطاء(9) قوله: «كنت في الأستانة، وكان عندي عيال، فأصبحت يوماً من الأيام ولم أملك من الدراهم غير ربع مجيدي، فخرجت من الدار صدر النهار لأشتري لعيالي غذاءً بذلك المبلغ، فمررت بسوق من أسواقها فرأيت كتاباً وكنت محتاجاً إليه، فشريته بما كان عندي، وأتيت أهلي وبقينا ذلك اليوم جميعاً بلا غذاء».(10)
إن بعض المكتبات النجفية اكتسبت شهرة واسعة لكثرة ما فيها ونفاسة مخطوطاتها، فذكرها الكتاب والمؤرخون. نذكر منها على سبيل المثال: مكتبة الشيخ النوري، وكاشف الغطاء، والسيد محمد بحر العلوم (صاحب بلغة الفقيه)، والشيخ محمد السماوي.
ومن الجدير بالذكر أن النجفيين شاهدوا اقتناء العلماء للكتب وجهدهم في اقتنائها، فاقتدوا بهم في جمعها. ونذكر من مكتباتهم على سبيل المثال: مكتبة محمد علي البلاغي، والحاج عبد الزهراء فخر الدين، والحاج يوسف عبد الله شهيب، فكانت كل مكتبة تضم أكثر من عشرة آلاف مطبوع عدا المخطوطات.
وفي أواخر القرن الرابع عشر أُسست مكتبتان عامتان:
- الأولى: مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، أسسها الحجة الكبير الشيخ عبد الحسين الأميني (مؤلف الغدير)، جمع فيها نفائس الكتب، ويبلغ عدد كتبها ما يزيد على 50 ألف كتاب، وفيها بعض النوادر التي تنفرد بها، حصل عليها المؤسس من الهند وإيران وغيرهما.
- الثانية: مكتبة آية الله الحكيم، وهي تضاهي الأولى كمّاً وكيفاً، وتزيد عليها بفروعها الكثيرة في مختلف مدن العراق.
الهوامش:
(1) هكذا عرفتهم 107/5.
(2) حجر وطين 206/3، والظاهر أنه يشير إلى عصر تلمذته في النجف الأشرف سنة 1344هـ وما بعدها، في عصر المرجع الديني الكبير السيد أبو الحسن الموسوي، وقد بلغت النجف آنذاك أوجها.
(3) نقباء البشر 1/ المقدمة.
(4) حديث الجامعة النجفية في عصرها الحاضر، ص 116.
(5) معارف الرجال 125/3.
(6) ماضي النجف وحاضرها 376/1.
(7) الأصول الأربعمائة: الكتب التي دوَّنها تلاميذ الإمام الصادق عليه السلام من محاضراته. للمزيد راجع: أشعة من حياة الصادق 58/3، وضحى الإسلام 263/3، وأئمتنا 420/1.
(8) نقباء البشر 555/2.
(9) عالم و مؤلف، ومؤسس مكتبة كاشف الغطاء الموجودة حالياً.
(10) ماضي النجف وحاضرها 174/3.
المصدر: كتاب “نجفيات” لمؤلفه علي محمد علي دخيّل











