في كلمةٍ ألقاها خلال الندوة التخصّصيّة الأولى حول “الأبعاد الدوليّة لميثاق الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة” التي انعقدت يوم الأحد (17 مايو 2026م) في مركز الإعلام والفضاء الافتراضيّ للحوزات العلميّة، أشار حجّة الإسلام والمسلمين السيّد مفيد الحسينيّ الكوهساريّ، معاون الشؤون الدوليّة في الحوزات العلميّة الإيرانيّة، إلى الأهمّيّة الاستراتيجيّة لهذه الرسالة التاريخيّة، قائلًا: نحن على أعتاب الذكرى السنويّة لصدور الرسالة التاريخيّة “الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة” من قبل قائدنا الشهيد؛ وهي الرسالة التي قُرئت في المؤتمر المنعقد بمناسبة الذكرى المئويّة لإعادة تأسيس الحوزات العلميّة، وشكّلت محوره الرئيس والأبرز، وكانت منطلقًا لتحوّلاتٍ كبرى في الساحات الحوزويّة.
وأضاف سماحته: إنّ هذه الرسالة تتمتّع بأهميّةٍ ومكانةٍ ممتازةٍ من جوانب مختلفةٍ، ولكنّ ما يحظى بالاهتمام في هذه الندوة هو الأبعاد الدوليّة لهذا الميثاق والإجابة على هذا التساؤل الجوهريّ: “هل يمكن اعتبار هذه الوثيقة ميثاقًا دوليًّا أم لا؟” وإذا كانت الإجابة إيجابيّةً، فأيٌّ من أجزائها أشدُّ بروزًا واستراتيجيّةً، وأيُّ أفقٍ ترسمه لمستقبل الحوزات العلميّة في الساحة العالميّة؟
ميثاقٌ يتجاوز حدود إيران
ونوّه معاون الشؤون الدوليّة في الحوزات العلميّة بالأبحاث التي أُجريت حول هذه الرسالة، مبيّنًا: إنّ الدراسات الأوّليّة تظهر أنّ هذا الميثاق يمتلك أبعادًا علميّةً وتربويّةً واجتماعيّةً وسياسيّةً وحكوميّةً متنوّعةً، غير أنّ أبعاده الدوليّة بارزةٌ ومهمّةٌ للغاية.
وأوضح سماحته: بناءً على الدراسات المنجزة، يوجد أكثر من 150 تعبيرًا في هذا الميثاق يشير بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ إلى الساحة الدوليّة والأمّة الإسلاميّة والقضايا التي تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانيّة؛ بدءًا من التعابير المتعلّقة بالاستعمار والاستكبار، وصولًا إلى الإشارة إلى الكيان الصهيونيّ وبريطانيا والعراق وحوزة النجف العلميّة والشخصيّات البارزة في العالم الإسلاميّ.
وتابع موضحًا: إنّ هذه الرسالة، من حيث عدد المفردات ومن حيث المضامين، تحتوي على نقاطٍ مهمّةٍ وبارزةٍ جدًّا، الأمر الذي أوجب علينا أن نقدّم قراءةً جديدةً لأبعادها الدوليّة في الذكرى السنويّة لصدورها.
وأضاف مذكّرًا: خلال العام الماضي، انعقدت ندواتٌ وبرامجُ متعدّدةٌ بشأن هذا الميثاق في الحوزة العلميّة وفي جامعة المصطفى العالميّة ومؤسّساتٍ دوليّةٍ أخرى، كما عُقدت حوله جلساتٌ وحواراتٌ في عددٍ من البلدان، من قبيل العراق ولبنان وأفغانستان والهند.
ثلاثة مستوياتٍ لفهم ميثاق “الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة”
وفي سياق حديثه، طرح حجّة الإسلام والمسلمين الحسينيّ الكوهساريّ ثلاثة مستوياتٍ تحليليّةٍ لفهمٍ أدقّ لهذه الوثيقة، فقال: يمكن دراسة ميثاق “الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة” في ثلاثة مستوياتٍ على الأقلِّ:
الأوّل: نصّ الميثاق نفسه.
الثاني: ما وراء نصّ الميثاق.
الثالث: القراءة والنظرة الاستراتيجيّة إلى هذه الوثيقة.
وأوضح قائلًا: في المستوى الأوّل، أي نصّ الميثاق، نواجه تعابير صريحةً ومباشرةً تبيّن الأبعاد الدوليّة والعالميّة للحوزة العلميّة. وفي المستوى الثاني، أي ما وراء النصّ، يمكن استخراج المقتضيات والمتطلّبات والرسائل الكامنة في النصّ. أمّا في المستوى الثالث، فتُطرح نظرةٌ استراتيجيّةٌ يمكنها أن ترسم مسار المستقبل للحوزات العلميّة.
وصرّح مؤكّدًا: يحمل هذا الميثاق في المستويات الثلاثة كلّها رسائل دوليّةً جادّةً، ولا يمكن اعتباره مجرّد وثيقةٍ داخليّةٍ أو مقتصرةٍ على القضايا التعليميّة للحوزة.
“الخطّ الأماميّ لمواجهة الاستكبار”؛ أحد أركان هويّة الحوزة العلميّة
وتطرّق معاون الشؤون الدوليّة في الحوزات العلميّة إلى الأركان الخمسة المكوّنة لهويّة الحوزة العلميّة في رسالة القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، فقال: إنّ سماحته يبيّن في هذا الميثاق خمسة أركانٍ مكوّنةٍ لهويّة الحوزات العلميّة، ومن اللافت أنّ ركنين من هذه الأركان الخمسة قد تمّ تبيينهما برؤيةٍ عالميّةٍ ودوليّةٍ بحتةٍ.
وأضاف سماحته: إنّ القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة يصرّح بأنّ الحوزة العلميّة هي “الخطّ الأماميّ لمواجهة نظام الهيمنة والاستكبار العالميّ”. إنّ هذا التعبير في غاية الأهمّيّة؛ لأنّه يعرّف الحوزة في امتداد المهمّة التاريخيّة للأنبياءِ؛ وهي المهمّة التي كانت على الدوام في مواجهة الاستكبار والهيمنة والظلم.
وتابع قائلًا: إنّ سماحته يقدّم الحوزة كمؤسّسةٍ رائدةٍ وموجّهةٍ ومحرّكةٍ في مسارٍ تاريخيٍّ يُعدّ استمرارًا لطريق الأنبياء، وهذه الرّؤية ترفع الحوزة من مجرّد مؤسّسةٍ تعليميّةٍ أو ثقافيّةٍ لتجعلها فاعلًا نشطًا في الساحة العالميّة.
“صناعة الحضارة”؛ التوقّع الأبرز من الحوزة العلميّة
وفي جزءٍ آخر من كلامه، أشار حجّة الإسلام والمسلمين الحسينيّ الكوهساريّ إلى الركن الخامس من الأركان المكوِّنة لهويّة الحوزة العلميّة في هذا الميثاق، فقال: إنّ القائد الشهيد يولي الاهتمام الأكبر بين الأركان الخمسة لقضيّة “الابتكارات الحضاريّة في إطار رسالة الإسلام العالميّة”.
وأضاف سماحته: إنّ تعبير القائد الشهيد ينصّ على أنّ هذه القضيّة هي “التوقّع الأبرز من الحوزات العلميّة”؛ ممّا يعني أنّ قضيّة “صناعة الحضارة في إطار رسالة الإسلام العالميّة” تُعدّ المهمّة الأهمّ للحوزة العلميّة.
وأردف قائلًا: يؤكّد سماحته أنّ “إرساء الحضارة الإسلاميّة” هو الهدف الدنيويّ الأسمى للثورة الإسلاميّة، وهذا يعني أنّ الحوزة العلميّة، بصفتها منطلق الثورة الإسلاميّة، تضطلع بمهمّةٍ حضاريّةٍ وعالميّةٍ.
وفي شرحه لمفهوم الحضارة الإسلاميّة من وجهة نظر القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة (رضوان اللّه تعالى عليه)، أوضح قائلًا: في هذا المنظور، تُعدّ الحضارة الإسلاميّة تلك التي توظّف العلم والتكنولوجيا والموارد البشريّة والموارد الطبيعيّة والحكم والسياسة وسائر الطاقات البشريّة لخدمة العدالة الاجتماعيّة، والرفاه العامّ، وتقليص الفجوة الطبقيّة، والنموّ المعنويّ، والارتقاء العلميّ للإنسان.
الحوزة العلميّة؛ مؤسّسةٌ عالميّةٌ وصانعةٌ للتحوّل
وأكّد معاون الشؤون الدوليّة في الحوزات العلميّة على الرّؤية العالميّة التي تسود ميثاق “الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة” بأسره، قائلًا: عند قراءة هذا الميثاق، يُدرك بوضوحٍ أنّ النصّ قد كُتب برؤيةٍ تتجاوز حدود الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وأنّ أفقه هو الأمّة الإسلاميّة والحضارة الإسلاميّة الجديدة.
وتابع سماحته قائلًا: إنّ القائد الشهيد يقدّم الحوزة العلميّة في هذا الميثاق كمؤسّسةٍ حاسمةٍ وصانعةٍ للتحوّلِ ومؤثّرةٍ على المستوى العالميّ. وفي الواقع، ليست الحوزة مجرّد مؤسّسةٍ تعليميّةٍ أو ثقافيّةٍ، بل هي فاعلٌ نشطٌ في ساحة التطوّرات العالميّة.
وأضاف مبيّنًا: في بداية هذا الميثاق، يحلّل القائد الشهيد الظروف التاريخيّة للقرن الرابع عشر الهجريّ الشمسيّ والواقع العالميّ في هذه الحقبة، ومن هذا المنطلق يقدّم الحوزة العلميّة كمؤسّسةٍ حاضرةٍ في صلب التطوّرات العالميّة.
ضرورة الوصول إلى مرتبة المرجعيّة العلميّة العالميّة
وتابع حجّة الإسلام والمسلمين الحسينيّ الكوهساريّ في حديثه عن متطلّبات تحقيق الأبعاد الدوليّة للميثاق، فقال: إذا أردنا الوصول إلى الأهداف العلميّة لهذا الميثاق، فإنّ على الحوزة العلميّة أن تصل إلى مرتبة المرجعيّة العلميّة في الساحة العالميّة. وتحقيقُ المرجعيّة العلميّة يقتضي أن تكون الحوزة قادرةً على التنظير في مواجهة القضايا العالميّة المستجدّة والمعقّدة، وأن تقفَ على حدود المعرفة العالميّة.
وأضاف سماحته قائلًا: إنّ التفاعل مع المعرفة العالميّة هو ضرورةٌ أخرى؛ وبالطبع ليس تفاعلًا سلبيًّا، بل تفاعلٌ نقديٌّ وفعّالٌ وبنّاءٌ يمكّن من نقد الأسس الفكريّة والمعرفيّة القائمة إلى جانب الاستفادة من القدرات العلميّة العالميّة.
الفقه الصّانع للحضارة والعلوم الإنسانيّة الحضاريّة
وأشار معاون الشؤون الدوليّة في الحوزات العلميّة إلى تأكيد القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة (رضوان اللّه تعالى عليه) على ضرورة التحوّل في العلوم الإسلاميّة، فقال: يُكرّر في هذا الميثاق التأكيد على ضرورة “فقهٍ صانعٍ للأمّة”، و”فقهٍ صانعٍ للحضارة”، وعلى العلوم الإنسانيّة ذات البعد الحضاريّ.
وأضاف سماحته: يجب على الحوزات العلميّة أن تكرّس النظرة الحضاريّة والصّانعة للأمّة في جميع الفروع العلميّة، وأن تنظّم إنتاجها العلميّ بما يتناسب مع الاحتياجات العالميّة.
وتابع مؤكّدًا: إنّ الحوزة العلميّة اليوم لا تستطيع أن تلبّي احتياجات العالم من خلال التبليغ التقليديّ وحده؛ بل ينبغي لها أن تربّي مجاهدين ثقافيّين على مستوى عالميٍّ، وأن تتبنّى نهجًا فعّالًا، بل هجوميًّا أحيانًا، في مواجهة الحرب الناعمة والإيحاءات العالميّة التي يشنّها الأعداء.
من مواجهة نظام الهيمنة إلى الحضارة الإسلاميّة الجديدة
وأوضح حجّة الإسلام والمسلمين الحسينيّ الكوهساريّ النظرة الدوليّة للقائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) قائلًا: وفقًا لنظام فكر القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة، هناك توجّهان سلبيٌّ وإيجابيٌّ في الساحة العالميّة؛ فالتوجّه السلبيّ يتمثّل في مواجهة نظام الهيمنة والاستكبار العالميّ، والتوجّه الإيجابيّ يتمثّل في بناء الحضارة الإسلاميّة الجديدة.
وأضاف موضحًا: في توجّهه السلبيّ، يؤكّد القائد الشهيد على زوال الكيان الصهيونيّ، وعلى إخراج الولايات المتّحدة من المنطقة، وعلى إنهاء النظام الأحاديّ القطبيّة؛ وفي توجّهه الإيجابيّ، يصرّ على ضرورة اقتدار العالم الإسلاميّ علميًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا.
وتابع قائلًا: بناءً على ذلك، ينبغي للحوزات العلميّة أن تستعدّ لأداء دورها في النظام العالميّ الجديد؛ وهو النظام الذي يمكن رؤية بوادره اليوم في العالم.
استشهاد قائد الثّورة الإسلاميّة وبداية “البعثة الدوليّة“
وأشار معاون الشؤون الدوليّة في الحوزات العلميّة إلى الظروف الجديدة للمنطقة والعالم، فقال: إنّنا نشهد اليوم الانهيار التدريجيّ لنظام الهيمنة، وزوال الكيان الصهيونيّ، وخروج الولايات المتّحدة من المنطقة، وتشكّل نظامٍ جديدٍ متعدّد الأقطاب.
وأضاف سماحته: إنّ استشهاد قائدنا والظروف الإقليميّة والعالميّة الجديدة قد ضاعفت من مسؤوليّة الحوزات العلميّة، وفتحت، في الوقت نفسه، آفاقًا جديدةً أمام تيّار الثّورة الإسلاميّة.
وصرّح قائلًا: إنّنا نواجه اليوم “بعثةً دوليّةً” بالفعل، ويمكن أن تشكّل هذه الظروف نقطة انطلاقٍ لتحوّلاتٍ جديدةٍ في الحوزات العلميّة.
الحوزة العلميّة في مسار التحوّل
وفي سياقٍ متّصلٍ، أشار حجّة الإسلام والمسلمين الحسينيّ الكوهساريّ إلى بعض الخطوات التطويريّة التي اتّخذتها الحوزات العلميّة، مبيّنًا: إنّ الحوزة العلميّة قد بدأت اليوم خطواتٍ في مسارِ التحوّل؛ بدءًا من تشكيلِ لجانٍ توجيهيّةٍ في القضايا الكليّة للبلاد، وصولًا إلى إيجاد آليّاتٍ للتفاعل مع النظام، ورصد قضايا المجتمع، وتلبية الاحتياجات الفكريّة للمؤسّسات، وتوسيع دائرة التبليغ التخصّصيّ.
وأضاف قائلًا: إنّ الآلاف من طلّاب العلوم الدينيّة ينشطون اليوم في المدارس والجامعات والمجالات التخصّصيّة، وهناك جهودٌ تُبذل للإجابة عن القضايا المستحدثة في مجال الفقه المعاصر والاقتصاد والثّقافة وبناء النظام. وبالطبع، رغم كلّ هذه الإجراءات، إنّنا لا نزال في بداية الطريق وهناك مسافةٌ كبيرةٌ تفصلنا عن التحقيق الكامل للأهداف الحضاريّة للثورة الإسلاميّة.
بيان الخطوة الثانية للثورة الإسلاميّة؛ خطوةٌ واحدةٌ في مسارٍ طويلٍ
وفي جزءٍ آخر من كلمته، تطرّق معاون الشؤون الدوليّة في الحوزات العلميّة إلى “بيان الخطوة الثانية للثورة الإسلاميّة”، فقال: إنّ حديث القائد الشهيد عن “الخطوة الثانية” بعد مرور 40 عامًا على الثورة الإسلاميّة يدلّ على أنّ كلّ هذه الإنجازات، في رؤيته الحضاريّة، لا تعدو أن تكون خطوةً واحدةً.
وأضاف قائلًا: عندما ننظر إلى الأهداف السامية للثورة الإسلاميّة والحضارة الإسلاميّة الجديدة، ندرك أنّنا لا نزال في بداية المسار، ونحتاج إلى العزيمة والمجاهدة والتحوّل الجادّ.
ضرورة “الدفاع الخطابيّ”
وفي ختام كلمته، أكّد حجّة الإسلام والمسلمين الحسينيّ الكوهساريّ على ضرورة تشكيل “دفاعٍ خطابيّ”، فقال: إنّنا نواجه اليوم هجومًا واسعًا من العدوّ في مجالات الثقافة والاقتصاد والتعليم وغيرها، ويجب أن نسأل أنفسنا: هل تمكّنّا في هذه المعركة الخطابيّة من إحباط هجمات العدوّ أم لا؟
وأضاف قائلًا: لقد حقّقنا نجاحاتٍ في بعض المجالات، لكنّنا لا نزال بحاجةٍ إلى عملٍ أكثر جدّيّةً في مجالاتٍ أخرى، ولا سيّما في ميدان الثقافة والاقتصاد الإسلاميّ والعلوم الإنسانيّة.
وأعرب سماحته عن أمله في أن تكون دماء شهداء الثورة الإسلاميّة، والرؤية الحضاريّة لقائد الثورة الإسلاميّة، سماحة آية اللّه السيّد مجتبى الحسينيّ الخامنئيّ، ممهّدةً لمزيدٍ من التحوّلات العميقة في الحوزات العلميّة، وبدايةً لفصلٍ جديدٍ من حضور الحوزة العالميّة في الساحة العالميّة.











