إمام جمعة بغداد: معركة اليوم ليست نزاعاً إيرانيّاً أمريكيّاً، بل مواجهة على دين النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وكرامة الأمة الإسلامية

شدّد آية الله السيد ياسين الموسوي على أن التحولات الجارية تتجاوز حدود المنازعات الحدودية، ورأى أن أي حياد في هذه المعركة (حرب رمضان) هو انحياز مع الباطل، ووصفها بأنها امتداد للمعركة التاريخية بين الإمام الحسين (عليه السلام) ويزيد.

ألقى آية الله السيد ياسين الموسوي، إمام جمعة بغداد والأستاذ البارز في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، خطبتي صلاة الجمعة في بغداد بتاريخ 27 مارس 2026، وأكد سماحته خلال خطبتيه أن الأسبوع الحالي يمثّل «أسبوعاً حرجاً في حياة الإسلام والمسلمين»، مشدّداً على أن الهجوم الأمريكي‑الإسرائيلي على الحشد الشعبي والجيش العراقي ليس حدثاً عابراً ولا خلافاً حدودياً بين دول، بل جزء من مشروع يستهدف «إبادة دين محمد صلى الله عليه وآله الذي حمله فقهاء الإسلام»، ومحاولة لجرّ العراق إلى موقع الحياد الشكلي الذي يعني في الواقع الانخراط في المعسكر الأمريكي ضد قوى المقاومة.

الحشد الشعبي في قلب الاستهداف؛ رفض للحياد الرسمي

وتوقّف إمام جمعة بغداد عند «هجوم القوات الأمريكية والإسرائيلية على الحشد المقدس»، مؤكداً أن الاستهداف لم يقتصر على فصائل الحشد الشعبي، بل «نال من قوات الجيش أيضاً»، في إشارة إلى أن الهجوم يستهدف ركائز المنظومة الدفاعية للعراق.

وانتقد السيد الموسوي موقف المؤسسات الرسمية، ولا سيما مجلس الدفاع الوطني، الذي تعامل مع القوات المهاجِمة تحت عنوان «الدفاع عن النفس»، معتبراً أن هذا التوصيف يمنح شرعية ضمنية للضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل الأراضي العراقية. وربط ذلك بخطاب سياسي يحاول تصوير ما يجري على أنه «حرب بين إيران وأمريكا/إسرائيل لا شأن للعراق بها»، وأن على بغداد أن تبقى «قريبة من الاثنين» بحكم الاتفاقيات مع طهران وواشنطن.

وفي هذا السياق، استعاد السيد الموسوي حالة الازدواجية في الوعي الرسمي عبر المثال التاريخي «سيدنا حُجر بن عدي قتله سيدنا معاوية»، قائلاً إن الموقف الذي يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه يشبه من يعتبر الطرفين «سادة» في الوقت نفسه، كما تفعل الحكومة حين تتعامل مع أمريكا وإيران بوصفهما طرفين متكافئين. واعتبر أن هذه «الحيادية» ليست سوى انسحاب من معركة الحق والباطل، متسائلاً عن دوافعها بين احتمال العمالة أو الارتزاق أو الرهان على أمريكا، مع تأكيده أنه «لا يتهم أحداً بعينه»، لكنه يرفض اندماج الموقف العراقي مع الرؤية الأمريكية.

وأكد أن العراق ليس ساحة عابرة للصراعات، بل «قبلة التشيع» لاحتضانه مرقد أمير المؤمنين عليه السلام، ومرقد الحسين عليه السلام، والأئمة المعصومين الأربعة (الجوادين والعسكريين)، إضافة إلى كربلاء التي وصفها بأنها «ترعة من ترع الجنة». ومن هنا، اعتبر أن المعركة الدائرة ليست بين دول وحدود، بل هي معركة على جوهر التشيّع وعلى دين محمد صلى الله عليه وآله الذي حمل لواءه فقهاء الإسلام.

فتوى المرجعية: من الوطنية إلى المعركة بين الحسين ويزيد

وربط إمام جمعة بغداد بين التطورات الحالية وفتوى «المرجع الأعلى» التي حدّدت دعم هذه المواجهة بوصفه «واجباً كفائياً»، موضحاً أن هذه الفتوى لا يمكن اختزالها في إطار وطنية أو قومية، بل تعبّر عن رؤية عقدية وشاملة للمعركة الراهنة.

وبنبرة حاسمة، صوّر السيد الموسوي الصراع الحالي بأنه امتداد للمعركة بين «الحسين ويزيد»، داعياً الناس إلى تحديد موقفهم بوضوح: هل يقفون في صف الحسين عليه السلام أم في صف يزيد؟ وخاطبهم بالقول: «فاختر لنفسك»، في إشارة إلى أن الحياد في مثل هذه اللحظات هو انحياز مقنّع للباطل.

إدانة موقف الحكومة من استهداف القواعد الأمريكية والإسرائيلية في الخليج الفارسي

وفي محور آخر، انتقد السيد الموسوي بيان الحكومة العراقية الذي دان ضرب المواقع الأمريكية والإسرائيلية في دول الخليج ووصفه بأنه «عدوان». وتوجّه إلى المسؤولين بالقول: «هل أنتم محايدون أم منخرطون مع الجانب الأمريكي؟ أيتها الحكومة المظفرة، أفهمونا!».

وشدد على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقوى المقاومة لا تستهدف المدنيين في الكويت والسعودية والإمارات والبحرين، بل تضرب «المواقع العدوانية الأمريكية والإسرائيلية» الموجودة هناك. ووصف الادعاءات عن سقوط صواريخ على أحياء مدنية بأنها «كذب»، متحدياً من يروّج لها أن يقدّم «دليلاً واحداً» على ذلك.

كما اتهم إعلام بعض دول الخليج بتضخيم مزاعم إسقاط الصواريخ وبتبييض صورة الوجود العسكري الأجنبي، لافتاً إلى أن السلاح الفعلي في يد القوات الأمريكية، فيما يقوم بعض الجنود والشرطة المحليين بأدوار خدمية لمصلحة هذه القوات.

واعتبر أن تبنّي الحكومة العراقية لهذا الخطاب يعني عملياً الاصطفاف مع الولايات المتحدة وضد فتوى المراجع والعلماء «الذين يحرّمون قطعاً المشاركة في الجانب الأمريكي العسكري ضد الجمهورية الإيرانية»، ويعدّون ذلك من أكبر الكبائر.

المحكمة الاتحادية وأحكام الإعدام: انحياز تحت عنوان «الممثليات الدبلوماسية»

وتطرّق إمام جمعة بغداد إلى قرارات صدرت عن «المحكمة الاتحادية» تقضي بالإعدام على من يثبت تورطه في ضرب القواعد العسكرية تحت عنوان «الممثليات الدبلوماسية». وردّ الموسوي بالتأكيد على أنه «لم يضرب أحدٌ ممثلياتٍ سياسيةً»، مشدداً على أن السفارة الأمريكية في بغداد ليست بعثة دبلوماسية بالمعنى المتعارف، بل «قاعدة عسكرية رسمياً» تضم نحو عشرين ألف عسكري ومنظومات دفاع متطورة.

وذكّر بأن قواعد مثل «فيكتوريا» والمعسكرات المنتشرة في شمال العراق تقع عملياً تحت السيطرة الأمريكية، متسائلاً: «على أي أساس، أيتها الجهة، تفتين بحكم الإعدام؟ أليس هذا انحيازاً؟». ورأى أن هذه الجهة «لا تقدر أن تُنفّذ» أحكامها في ظل قوة الشباب المقاوم وهيمنة القرار الأمريكي، معتبراً أن مثل هذه القرارات لن تكسب احترام أحد.

الفصائل المقاومة بين الشرعية الشعبية والنقمة على الأحزاب

وخصّ السيد الموسوي حيزاً واسعاً للتمييز بين «الفصائل» الميدانية المقاومة وبين الأحزاب السياسية التي تحمل أسماءها. وأوضح أن حديثه لا يشمل تلك الأحزاب، قائلاً إن «أي عمل سياسي… حكمه كحكم باقي الأحزاب… مغضوب عليهم من قبل الشعب ومن قبل المرجعية»، مشيراً إلى أن المرجعية الدينية «غلقت بابها دونهم»، مع تأكيده أنه ليس ناطقاً باسمها ولا ممثلاً رسمياً لها.

وفي المقابل، عرّف «الفصائل» التي يدافع عنها بأنها «أبناؤنا الأبطال الأشاوس الذين يدكون القواعد الأمريكية والإسرائيلية في العراق»، معتبراً أنهم يمثّلون «شرف العراق» الذي مكّن البلاد من تحدي الطغيان الأمريكي والإسرائيلي.

ودعا السيد الموسوي إلى التحلّي بالشجاعة في قول «كلمة حق عند سلطان جائر»، متسائلاً: «وهل يوجد جائر أكثر من ترامب؟»، في إشارة إلى الإدارة الأمريكية وسياساتها في المنطقة.

كربلاء وثورة العشرين؛ معركة اليوم في ضوء التاريخ

وفي سياق تثبيت شرعية الكفاح المسلح ضد الوجود الأمريكي، استحضر الموسوي تراث الثورة العراقية الكبرى عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني، متنبئاً بأن التاريخ سيخلّد مقاتلي اليوم في خانة واحدة مع ثوار العشرين، كما سيكشف جبن المتخاذلين كما كشف جبن من تراجعوا في الماضي.

وربط بين الحاضر ومعركة كربلاء، معتبراً أن ما يجري هو «معركة الحسين عليه السلام» المتجددة في الزمن. ووضع الناس أمام خيارين واضحين: أن يكونوا مثل الحر الرياحي الذي تحوّل إلى صف الحسين عليه السلام، أو مثل حميد بن مسلم الذي اكتفى برواية الأحداث، ليصبح «ملعوناً في المستقبل». وأكد أن أحداً لا يفرض على الناس حمل السلاح، لكن الحد الأدنى هو «الدعم» لهؤلاء الشباب في الميدان، والمنبر، والشارع، والمجالس، والحديث، معتبراً أن هذا الدعم «واجب شرعي».

«لا تقية في الدماء» وفتاوى الدفاع عن «بيضة الإسلام»

واستند إمام جمعة بغداد إلى قاعدة فقهية راسخة مفادها «لا تقية في الدماء»، موضحاً أن الفقهاء يقررون سقوط حكم التقية حين تصل المسألة إلى الدماء وحفظ بيضة الإسلام. واستشهد بآية الله العظمى السيد محسن الحكيم الذي كان يرى وجوب الدفاع إذا كان الخطر يهدد «بيضة الإسلام»، معتبراً أن هذا الحكم ينطبق على الظرف الراهن الذي تتعرّض فيه الأمة ومقدساتها لهجوم مباشر.

وبهذا، ربط الموسوي بين الموقف الفقهي والواجب السياسي، ليؤكد أن الانحياز ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا الصراع ليس خياراً سياسياً فحسب، بل تكليف ديني واضح لا يحتمل الغموض.

لقاء مع السيد حسن نصر الله؛ تضحيات القادة أسست لوعي يرفض الوقوع في فخ الحياد

وفي ختام خطبته، أشار إلى لقاء جمعه بالشهيد السيد حسن نصر الله في عام 2011، عقب انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وأكد سماحته أن معركة اليوم هي استمرار لمسار طويل من المواجهة مع المشروع الأمريكي والصهيوني في المنطقة. مضيفاً أن التطورات الراهنة تثبت أن تلك المواجهة التاريخية ما زالت مستمرة، وأن التضحيات التي قدمها قادة المقاومة أسست لوعي لا يسمح بتكرار أخطاء الماضي، ولا بالوقوع في فخ الحياد الزائف.

نوشته های مرتبط

منشورات ذات صلة

Related posts

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top