النكبة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي جرح في الزمن ما زال ينزف. إنها اسمٌ للنزوح، ولخسارة الوطن، وللأغنية المقطوعة لبساتين الزيتون، وللعائلات التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى شعب بلا أمن، وبلا حماية، وبلا حق في العودة إلى عتبات بيوته. وعندما يُحيى في الخامس عشر من مايو ذكرى النكبة، فإن الماضي وحده لا يُستدعى، بل يُطرح أمام ضمير الإنسانية سؤالٌ لم يجد جوابًا عادلًا حتى بعد ثمانية وسبعين عامًا : كيف يمكن لشعب أن يعيش كل هذا الزمن بين الذاكرة والمنفى، بين الأمل والأنقاض؟
في الخامس عشر من مايو عام 1948، وبعد إعلان قيام دولة “إسرائيل” والحرب التي أعقبت ذلك، أُجبر مئات الآلاف من الفلسطينيين على مغادرة بيوتهم. دُمّرت القرى، وتحطمت الأرواح، وتفرقت العائلات. أناس عاشوا أجيالًا يزرعون أرضهم، ويرعون أشجار زيتونهم، ويبنون بيوتهم من الحجر والذاكرة، أصبحوا فجأة لاجئين. ولم تكن تلك المأساة مجرد نتيجة للحرب، بل كانت بداية شعور طويل الأمد بأن الشعب الفلسطيني قد مُحي من تاريخه الخاص، رغم أن فلسطين كانت عبر القرون أرض مدن وقرى وثقافات ومساجد وكنائس وحياة مشتركة نابضة.
ولهذا يبقى الشعار : «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» واحدًا فلسطين لم تكن يومًا أرضًا بلا شعب؛ لقد كانت وطنًا لملايين البشر الذين امتزجت آثارهم بترابها عبر القرون. وعندما يُعلن شعبٌ ما غير مرئي، تبدأ الكارثة الأخلاقية، لأن سلب الإنسان اسمه وانتماءه وذاكرته هو فتحٌ لباب ظلم قد يستمر أجيالًا.من أخطر وأكثر الشعارات السياسية ظلمًا في العصر الحديث. ففلسطين لم تكن يومًا أرضًا بلا شعب؛ لقد كانت وطنًا لملايين البشر الذين امتزجت آثارهم بترابها عبر القرون. وعندما يُعلن شعبٌ ما غير مرئي، تبدأ الكارثة الأخلاقية، لأن سلب الإنسان اسمه وانتماءه وذاكرته هو فتحٌ لباب ظلم قد يستمر أجيالًا.
إن مفارقة التاريخ الحديث تكمن تحديدًا في أن الفلسطينيين أصبحوا شعبًا دفع جزءًا من ثمن جريمة لم يرتكبها. فالـ “هولوكوست” يبقى واحدة من أحلك مآسي البشرية — الجريمة التي ارتكبتها أوروبا النازية بحق اليهود، والتي يجب أن تبقى تحذيرًا أبديًا ضد الكراهية والعنصرية والإبادة الجماعية. وكل ضمير إنساني يجب أن يقف أمام حقيقة أوشفيتز بخشوع وحزن. ولكن، ولأن الإنسانية عرفت رعب الإبادة الجماعية، يصبح من الأصعب فهم كيف تحولت معاناة شعب إلى معاناة ممتدة لشعب آخر. فالأخلاق لا يمكن أن تكون انتقائية. إن معاناة اليهود في أوروبا لا يمكن أن تبرر حرمان الفلسطينيين من حقهم في حياة كريمة وأمن وحرية.
وهنا تكمن المأساة العميقة لعصرنا : العالم الذي وعد بعد الحرب العالمية الثانية بحقوق إنسان عالمية وعدالة دولية، فشل في ضمان السلام والأمن للشعب الفلسطيني. فقد أكدت قرارات الأمم المتحدة لعقود حق الفلسطينيين في العودة، وفي إقامة دولتهم، وفي حماية المدنيين، وفي الكرامة الإنسانية. ومع ذلك، ما زالت الحياة الفلسطينية اليومية موسومة بالاحتلال، وهدم البيوت، ومخيمات اللاجئين، والحصار، والشعور الدائم بعدم الأمان. ولا بد للإنسان أن يتساءل: ما قيمة القانون الدولي إذا كان عاجزًا عن حماية أولئك الذين انتظروا العدالة لعقود؟
إن إحياء ذكرى النكبة ليس دعوة إلى الكراهية ولا إلى الانتقام، بل هو دعوة إلى الحقيقة. والحقيقة هي أنه لا يمكن لأي شعب أن يعيش إلى الأبد بلا حرية وبلا اعتراف العالم الذي وعد بعد الحرب العالمية الثانية بحقوق إنسان عالمية وعدالة دولية، فشل في ضمان السلام والأمن للشعب الفلسطيني. فقد أكدت قرارات الأمم المتحدة لعقود حق الفلسطينيين في العودة، وفي إقامة دولتهم، وفي حماية المدنيين، وفي الكرامة الإنسانية. ومع ذلك، ما زالت الحياة الفلسطينية اليومية موسومة بالاحتلال، وهدم البيوت، ومخيمات اللاجئين، والحصار، والشعور الدائم بعدم الأمان.بكرامته الإنسانية. والحقيقة أيضًا أن السلام لا يمكن أن يُبنى على إنكار تاريخ الآخر. فلا سلام دائم حيث يُطلب من طرف أن ينسى موتاه ومهجّريه وبيوته المحروقة كي يعيش الطرف الآخر دون مواجهة المسؤولية الأخلاقية.
لقد أصبحت النكبة اليوم أكثر من مجرد تجربة فلسطينية؛ إنها مرآة أمام ضمير العالم. ففي كل طفل يكبر في مخيم للاجئين، وفي كل أم تحتفظ بمفتاح بيت لم تعد إليه أبدًا، وفي كل شيخ ما زال يذكر اسم القرية التي طُرد منها، يوجد سؤال موجه إلى الإنسانية: هل يمكن للعدالة أن تتأخر كل هذا الزمن وتبقى مع ذلك عدالة؟
ولهذا تحديدًا تبقى الذاكرة ذات معنى. لأن النسيان سيكون الموت الثاني لشعب بأكمله. فالذاكرة تحفظ الحقيقة بأن فلسطين لم تكن أرضًا فارغة. وتحفظ أصوات الذين اقتُلعوا من أرضهم لكنهم لم يختفوا. وتحفظ الواجب الأخلاقي للعالم بألا يقبل بأن تصبح القوة بديلًا عن العدالة.
لقد علمنا التاريخ أن الظلم لا يدوم إلى الأبد، وإن طال ألمه. فقد زالت إمبراطوريات، وسقطت جدران، وانتهت أنظمة الفصل العنصري، واستطاع الضمير الإنساني — ببطء وغالبًا بعد فوات الأوان — أن يجد طريقه نحو الحقيقة. ولهذا تبقى القضية الفلسطينية جرحًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية، يتطلب ليس فقط حلًا سياسيًا، بل مواجهة أخلاقية مع الواقع.
وفي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، فإن التذكر ليس مجرد فعل حزن، بل هو فعل كرامة إنسانية. إنه يقول إن الشعب الذي يتذكر ليس شعبًا مهزومًا. ويقول إن الحقيقة قد تُقمع لكنها لا تُدمَّر. ويذكّر العالم بأن السلام لن يأتي عندما يُسكت طرفٌ طرفًا آخر، بل عندما يستطيع الفلسطينيون واليهود أن يعيشوا معًا في عدالة وأمن واعتراف متبادل بإنسانية بعضهم البعض.
فلا أمّ ينبغي أن تبكي طفلها بسبب سياسات القوة. ولا طفل ينبغي أن يكبر تحت سماء الخوف. ولا شعب ينبغي أن يُحكم عليه بأن يعيش قرابة ثمانية عقود بين المنفى وانتظار العدالة.
ولهذا تبقى ذكرى النكبة واجبًا أخلاقيًا؛ ليس ضد أحد، بل من أجل الحقيقة، وليس لتعميق الكراهية، بل للحفاظ على ضمير الإنسانية. لأن الإنسانية التي تنسى معاناة الفلسطينيين تخاطر بأن تنسى قدرتها هي نفسها على تحقيق العدالة.
انتهى
__________________
* مفتي البوسنة سابقا











