ربما كان مفاجئاً ما صدر عن شخصية أكاديمية تدير معهداً للدراسات الإسلامية والمسيحية في إحدى الجامعات اللبنانية، من أقاويل تتصل برؤية الطائفة الإسلامية الشيعية إلى الحسين (ع) وعاشوراء، ما يستدعي الردّ رفعاً للالتباس الذي تثيره وما تنطوي عليه من استنتاجات.
تقول الأكاديمية إن الشيعة «لم يهضموا» مقتل الحسين، وتعقد مقارنة بين المعتقدين المسيحي والشيعي، فتقول إن المسيح مات وقام، فيما الحسين مات ولم يقم، لتخلص إلى أن الشيعة لم يعيشوا التطهر للانطلاق إلى حياة أفضل، ويعيشون المظلومية كما لو أنهم مظلومون أبداً. وتنقل، على نحو غير دقيق، القول العاشورائي المعروف: «يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً»، وتسقط عليه تأويلاً خاصاً بها، لا يستند إلى أصل في النص أو في التراث الشيعي.
ولما ورد في هذه الأقوال من التباسات واستنتاجات، لنا جملة من الملاحظات:
أولاً، لم تبيّن الأكاديمية كيف خلصت إلى أن الشيعة «لم يهضموا» مقتل الحسين، ولا الأدلة التي استندت إليها في إطلاق هذا الحكم. فإذا كان مرادها ما ذكرته لاحقاً من أن الحسين «مات ولم يقم»، وما يرتبط بذلك من مفهوم «القيام»، فذلك يحتاج إلى نقاش مستقل. أما إذا كانت تستند إلى السياق التاريخي ودينامياته المختلفة، فإن كلامها يكشف، في الحد الأدنى، انفصالاً عن فهم السياق التاريخي المتفاعل مع واقعة كربلاء وعاشوراء. وإذا كانت تقصد المنظومة القيمية العاشورائية، فإن ذلك يدل على مسافة كبيرة بينها وبين حقيقة الوعي القيمي الذي شكّلته عاشوراء في الثقافة الشيعية.
ثانياً، في مفهوم قيامة الحسين و«موته»، فإن اللغة العاشورائية لا تستخدم مفهوم الموت بوصفه المفهوم المركزي في مقاربة واقعة الحسين، بل مفهوم الشهادة وفلسفتها؛ وشتّان، في الدلالة والمعنى، بين الموت والشهادة. فالشهادة، في الوعي العاشورائي، ليست مجرد نهاية للحياة، بل فعل يحمل معنى التضحية والمواجهة والاستمرار.
ومن هنا، قامت وتقوم جدلية خاصة بين حدث الشهادة وفعل النهضة؛ إذ من رحم الشهادة يُستولد القيام والحركة والتغيير. ولذلك لم يكن فعل الشهادة، لا في الوعي ولا في الواقع، موتاً أو سكوناً، بل شكّل حركة جوهرية ودؤوبة تتصل بالتاريخ ومقاصده، وتستمر آثارها في الوعي والمجتمع.
وعليه، فإن المقارنة بين قيامة المسيح (ع) و«عدم قيام» الحسين (ع)، إذا كانت تستند إلى مفهوم القيام بمعناه الجسدي، تكشف عن قراءة تختزل مفهوم القيام الحسيني في معنى لا ينتمي إلى دلالته في الوعي العاشورائي. وهو فهم يجافي، بشكل مطبق، ما عليه الوعي الشيعي -وأيضاً الواقع الشيعي- في هذا الموضوع.
ثالثاً، في موضوع عيش الألم وعقدة الذنب والتطهر: يمكن تسجيل ثلاث نقاط أساسية:
1- إن المفهوم الأكثر حضوراً في التراث العاشورائي هو الحزن، لا الألم. والحزن شعور فطري وإنساني، لكن الوعي العاشورائي لا يكتفي باستحضاره بوصفه انفعالاً عاطفياً، بل يعمل على تأصيله وإعادة بنائه، عبر وصله بمعاني الحق والعدل. فالحزن، في هذا الوعي، لا يكون لمجرد وقوع الموت، بل عندما تُنتهك الإنسانية، ويُغلب الحق، ويفشو الظلم. ومن هنا يرتقي الحزن من مجرد شعور إلى وعي قيمي وأخلاقي وإنساني، يصبح معه الألم تجاه الظلم رفضاً له، لا استسلاماً أمامه. ولعل المشكلة الأعمق في المجتمعات البشرية، اليوم كما بالأمس، تكمن في ضمور هذا الوعي الإنساني والقيمي، وهو ما نشهده في واقعنا من قتل وظلم وفساد وعدوان، حين يصبح السكوت لدى كثيرين فضيلة، والحياد كرامة، وعدم الانحياز إلى الحق حكمة.
2- لا نعيش، كطائفة شيعية، ما وصفته الأكاديمية بـ«عقدة الذنب» تجاه قتل الحسين، لأننا لا نشعر أصلاً بأننا مذنبون حتى نعيش هذه العقدة. ما يفعله الوعي العاشورائي هو تجريد واقعة الشهادة من حدودها الزمنية والتاريخية الضيقة، وإعادة قراءتها بوصفها صراعاً دائماً بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، ليحفر في الوعي والوجدان معادلة دائمة، مفادها أن هذا الصراع موجود أبداً، وبذلك تتحول كربلاء من حدث وقع في التاريخ إلى معادلة حية: في كل عصر حسين ويزيد، أي حق وباطل، وعدل وظلم؛ وعلى الإنسان أن يختار موقعه، وأن يحدد إلى أي طرف ينحاز. وعليه، فإن وعي الذنب في الثقافة العاشورائية لا يقول: «نحن مذنبون»، بل يقول: «لسنا مذنبين، لكن علينا أن نصلح أنفسنا بقيم الحق والخير والعدل حتى لا نصبح مذنبين».
3- عندما تقول الأكاديمية إن الشيعة «لم يعيشوا التطهّر للانطلاق إلى حياة أفضل»، فإنها تقع مجدداً في الإسقاط الكلامي؛ أي إسقاط منظومة مفاهيم ومعتقدات خاصة بها على منظومة عقدية مختلفة، من دون التمييز الموضوعي والعلمي بينهما. ففي التصور الإسلامي عموماً، والشيعي خصوصاً، لا يوجد اعتقاد بأن الإنسان قد جُبل على الخطيئة أو وُلد محمّلاً بخطيئة أصلية، حتى يصبح التطهّر منها مفهوماً مؤسساً على هذا الاعتقاد. كذلك، لا يوجد في الوعي الشيعي اعتقاد بأن الشيعة مذنبون بقتل الحسين، حتى يُبنى الحديث عن التطهّر على التكفير عن هذا الذنب.
نعم، يوجد في الفكر الإسلامي حديث واسع عن التطهّر، لكنه تطهّر بمعناه الأخلاقي والروحي العام: تطهّر الإنسان من أهوائه وخطاياه وانحرافاته، وليس تطهّراً من «خطيئة أصلية» متجذرة في طبيعة الإنسان، ولا من ذنب تاريخي ارتكبه آخرون.
رابعاً، في النص الذي ذكرته الأكاديمية: «يا ليتنا كنا معكم…»: وقعت الأكاديمية في خطأين، أحدهما في نقل النص، والآخر، وهو الأهم، في تأويله.
أما الخطأ الأول، ففي متن النص نفسه؛ إذ أوردته بصيغة: «يا ليتنا كنا معكم وحظينا حظيكم»، فيما النص المعروف هو: «يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزاً عظيماً».
وأما الخطأ الأهم، ففي تأويلها للنص، حين ذهبت إلى أن معناه هو: «يا ليتنا كنا ومتنا»، أي أن الشيعة يتمنون لو كانوا قد عاشوا في زمن عاشوراء وماتوا فيها. وهذا التأويل لا أصل له في التراث الشيعي، ولا في الوعي العاشورائي أو الخطاب العاشورائي، ولا حتى في الوجدان الشعبي العام. فمن أين جاءت بهذا التأويل، سوى أنه من عنديّاتها. ولو التزمت ضوابط العمل الأكاديمي، وتحرت الدقة، وبذلت قدراً يسيراً من البحث في دلالة النص وسياقه، لكان من السهل الوصول إلى معناه الأقرب: يا ليتنا كنا معكم في جبهة الحق التي كنتم عليها، ويا ليتنا كنا في فسطاط العدل الذي وقفتم فيه؛ أي: يا ليتنا ننصر الحق دائماً، ونقف إلى جانب العدل أبداً. وهو فعل تثقيفي تربوي، يُراد منه بناء الوعي والوجدان بشكل مستديم، ليكون دائماً وأبداً إلى جانب الحق والعدل، في كل زمان ومكان.
خامساً، أما قول الأكاديمية إن الشيعة «يعيشون المظلومية كأنهم مظلومون أبداً»، فهو أيضاً يقوم على قراءة تختزل مفهوماً أوسع في معنى نفسي أو جماعي لا يقول به الوعي الشيعي. وهناك أمران أساسيان في هذا السياق. أولاً، نحن لا نرى أنفسنا مظلومين أبداً، ولا تشكّل المظلومية هوية ثابتة أو حالاً دائمة في الوعي الشيعي. وثانياً، إن القضية في الوعي العاشورائي تتجاوز الشيعة أنفسهم إلى كل من يلتزم قيم الحق وينتهج سبيل العدل على امتداد التاريخ. وهذه ليست فكرة محصورة في الوعي الشيعي، بل نجدها في المصادر الدينية والكتب المقدسة، كما تؤيدها قراءة عامة للتاريخ، القديم منه والمعاصر. فالمعادلة التي يستخلصها الوعي العاشورائي ليست: «نحن مظلومون دائماً»، بل: «طالما نقف مع الحق ضد الباطل، وفي جبهة العدل بوجه الظلم، سنعاني من عدوان الظالمين وبغيهم، ومن تجنّي المفسدين وعلوهم». وهذه المقولة تنطبق على أي فرد أو جماعة، تقف الموقف نفسه، وتلتزم المبدأ نفسه.
وعليه، أخلص إلى أن الأكاديمية المذكورة لم تقرأ عاشوراء والحسين كما هما في الوعي الشيعي، بل قرأتهما كما يبدوان في مخيالها هي، ولم تستطع أن تتحرر من خلفياتها الفكرية المسبقة، فوقعت في أكثر من إسقاط يجافي حقيقة المعتقد الذي تتناوله. وبذلك، تحولت مقاربتها إلى ما يشبه الافتراء الفكري، والتجنّي على المعتقد، بل والتنمر الطائفي. ويصبح الأمر أكثر إثارة للقلق حين يصدر هذا الخطاب عن شخصية تتولى إدارة مؤسسة أكاديمية تُعنى بالدراسات الإسلامية والمسيحية.
وهنا يطرح الأمر سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن لمن يتولى إدارة معهد للدراسات الإسلامية والمسيحية أن يقع في مثل هذه الأخطاء، بل الخطايا؟ هل العطب في غلبة الوعي الطائفي على المقاربة الأكاديمية؟ أم أن بعض مؤسسات الدراسات تقع، عن قصد أو من دون قصد، تحت تأثير لوثة الاستشراق، فتدرس الآخر أو تدرّسه لا من أجل تعريفه كما هو، وكما يفهم نفسه ويعبّر عن معتقداته، بل بهدف العثور على ما يمكن أن يُعاب به أو يُسقَط أو يُشنَّع عليه؟
لا أريد الجزم بأي من هذه الاحتمالات، ولا أن أنسب نيات لا أملك دليلاً عليها. لكن ما جرى يطرح أكثر من علامة استفهام حول بعض المؤسسات التي ترفع عنوان الحوار، سواء كانت أكاديمية أو غير أكاديمية، والتساؤل عن مقاصدها، ومنهجها، واستراتيجيتها، وما الذي تريد فعلاً الوصول إليه.
*باحث لبناني











