مقال | ضرورة التحول الجذري للعلوم الإنسانية في فكر القائد الشهيد للثورة

أكد العلماء والمفكرون في مجال العلوم الإسلامية على ضرورة مراجعة العلوم الإنسانية المعاصرة، موضحين آراء القائد الشهيد بشأن التحول الجذري لهذه العلوم، وأكدوا على ضرورة استخدام تعاليم القرآن والوحي في إنتاج العلوم الإنسانية.

نمط الحياة الإنسانية قائم على المعرفة التي تمّ توفيرها وصياغتها من خلال تجارب واستكشافات تجريبية أسلافنا. ولطالما كان اكتشاف هذه المعارف وصياغتها وتوجيهها من أهم اهتمامات القادة والنخب في المجتمعات. وإدراكًا لهذه الضرورة، سعى القائد الشهيد للثورة الإسلامية إلى توضيح نموذج للتوجيه الصحيح لهذه المعارف في أقواله وكتاباته القيّمة، قبل وبعد انتصار الثورة الإسلامية.

 وهو يرى أن ما يُدرَّس اليوم تحت مسمى “العلوم الإنسانية” في العديد من الجامعات والمراكز العلمية حول العالم، بما فيها الدول الإسلامية، مستمدٌّ في معظمه من النظريات والمدارس الفكرية الغربية؛ وهي معارف تشكّلت وتطوّرت في سياق الحضارة الغربية الحديثة على مدى القرون الثلاثة الماضية. وتقوم هذه العلوم على أسس مادية وإنسانية، ولذلك أغفلت دور الدين والوحي في تحليل القضايا الفردية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

في هذا الصدد، أكّد القائد الشهيد سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي مرارًا وتكرارًا على ضرورة إحداث تحوّل جذري في العلوم الإنسانية، معتقدًا أن العلوم الإنسانية القائمة، نظرًا لاعتمادها على الأسس الانسانية البحتة وإهمالها لحقيقة الوجود الإنساني، عاجزة عن تلبية الاحتياجات الحقيقية للمجتمعات الإنسانية بشكل كامل، ولذا فإن إعادة بناء هذه العلوم استنادًا إلى المعرفة الإلهية وتعاليم القرآن الكريم ضرورة حتمية.

ومن وجهة نظر القائد الشهيد، يُعدّ اقتصار مصادر المعرفة في العلوم الإنسانية المعاصرة على التجربة والعقل البشريين من أبرز عيوبها. في الفكر الإسلامي، يُعدّ الوحي أحد أكثر مصادر المعرفة موثوقية، ويفتح آفاقًا جديدةً لمعرفة الإنسان والمجتمع والعالم.كان يعتقد أنه بالإضافة إلى استخدام الأساليب العلمية، يجب أن يكون للعلوم الإنسانية أيضا إرشاد كاشفي لتقديم صورة أكثر شمولاً وواقعيةً للإنسان والكون.

في مجال علم الكونيات، يقدّم بعض المبادئ الأساسية كأساس للعلوم الإنسانية القائمة على القرآن. وفقاً لهذه المبادئ، الكون مخلوق ومدار من الله، هناك علاقة هادفة بين أبعاد العالم المختلفة، نظام الخلق قائم على النظام والقانون، الأحداث تتبع أنماطاً يمكن التعرف عليها وتكرارها، والحركة العامة للعالم تتجه نحو الكمال وتحقيق الأهداف الإلهية. هذا الرأي يختلف جوهرياً عن العديد من المناهج المادية في العلوم الإنسانية المعاصرة، التي تعتبر العالم مجرد مجموعة من الظواهر المادية بلا غاية.

في قسم الأنثروبولوجيا، يؤكد الإمام الشهيد على المكانة المميزة للإنسان في نظام الخلق. وبحسب قوله، الإنسان هو خليفة الله على الأرض، وله قدرة الإختيار والإرادة، وله طبيعة إلهية وطبيعة باحثة عن الحقيقة، وشخصيته ليست مقتصرة على البُعد المادي فقط، بل تتكون من مجالين: الجسد والروح. هذه الخصائص هي أساس العديد من نظريات العلوم الإنسانية الإسلامية في مجالات التربية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والإدارة.

ويرى القائد الشهيد أن تحقيق التحول في العلوم الإنسانية يتطلب صياغة نظريات جديدة تستند إلى الرؤية الكونية والأنثروبولوجيا ونظرية المعرفة القرآنية؛ وهو نهجٌ قادرٌ، مع الحفاظ على الإنجازات العلمية الإنسانية، على تلبية الاحتياجات الحقيقية للإنسان المعاصر، وتمهيد الطريق لبناء حضارة إسلامية جديدة.

بقلم الأستاذ المشارك في جامعة المصطفى(ص) العالمية “السيد عيسى مسترحمي”

نوشته های مرتبط

منشورات ذات صلة

Related posts

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top