الدكتور التسخيري: الإمام الخامنئي (ره) كرّس حياته لخدمة الإسلام ووحدة الأمة حتى تُوِّج بالشهادة

أكد الشيخ الدكتور محمد مهدي التسخيري معاون رئيس جامعة الاديان والمذاهب الاسلامية للشؤون الدولية في ايران، بأن قائد الثورة الاسلامية الشهيد الامام السيد علي الخامنئي (ره) شكّل نموذجاً فريداً للقيادة الإسلامية التي جمعت بين العلم والجهاد والتقوى والبصيرة؛ مشيراً إلى أن مسيرته اتسمت بالدفاع عن قضايا الأمة وترسيخ الوحدة الإسلامية ودعم نهضة العلم والتكنولوجيا، حتى اختتم حياته بالشهادة بعد عقود من العمل في خدمة الإسلام والشعب الإيراني.

جاء ذلك في كلمة الدكتور التسخیري، خلال ندوة افتراضية عقدت صباح اليوم الثلاثاء برعاية المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية تحت عنوان ” الامام الخامنئي (رض) شهيد الوحدة”.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم/
بسم الله الرحمن الرحيم/

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

قال الله الحكيم في محكم كتابه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

بهذه الآية الكريمة يفتتح القلب حديثه عن رجل وإنسان عاش لله، وجاهد في سبيل الله، ومضى إلى الله سبحانه وتعالى، وترك في الأمة أثرًا لا ينفى.

بدايةً، أتقدم بالعزاء إلى الأمة الإسلامية في رحيل الإمام القائد الشهيد السيد الخامنئي، رحمة الله عليه، وحشره مع الأنبياء والصالحين والشهداء والصديقين.

أود في هذه العجالة أن أتطرق إلى بعض النقاط المهمة في حياة الإمام الشهيد القائد:-

أولاً: لا بد وأن نعرف بأن الإمام الشهيد وُلِد في عائلة ربانية علمية، تربّى على يد والد فقيه وعلى يد والدة عارفة بالقرآن، علّمته القرآن منذ نعومة أظفاره، فكان كما قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله: «خيركم من تعلم القرآن وعلّمه».

وأيضًا كان يوصي الشباب بأن يقرأوا القرآن ويتدبروه كل يوم، ولا ننسى أيضًا مجالسه التي كان يقيمها في شهر رمضان المبارك ليستضيف القراء من كافة أنحاء العالم. وهو منذ طفولته حمل همَّ العلم، فكان الجد والاجتهاد والمثابرة وتزكية النفس ركائز شخصيته.

وفي الواقع كان كما قال أمير المؤمنين سلام الله عليه: «من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس»، لأنه ربّى هذه النفس على التربية الربانية الزكية التي أوجدت علاقة بينه وبين الأمة الإسلامية. فهو عالم رباني يربط الدنيا بالآخرة، وكما ورد في الحديث «الدنيا مزرعة الآخرة»، فاعتبرها مزرعة للآخرة، وطالب من الله العلي القدير أن يرزقه توفيق الدنيا والآخرة؛ «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». لقد جمع بين العلم والعمل، وبين الفكر والجهاد، وبين التقوى والبصيرة.

لم تكن القيادة عنده منصبًا بل عبادة ومسؤولية، وكان كما وصف الإمام أمير المؤمنين ع بقوله: «ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه»؛ هكذا كانت حياته في إدارة المجتمع.

الخصيصة الثالثة التي كان يتمتع بها، هي الاقتداء بالإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه. لقد اتخذ الإمام الخميني قدوة ومعلّمًا وسار خلفه، كما كان يسير أمير المؤمنين سلام الله عليه خلف رسول الله، يقول: «كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه». كان يرى في الإمام الخميني روح الثورة وروح الجهاد، ويرى في نفسه واجب صيانة هذه الروح، فحمل الأمانة بثبات وصبر وورع.

وأيضًا من جملة الخصائص: هو قائد بصير متواضع محب للأمة؛ تميز الإمام الشهيد بصفات قلّ أن تجتمع في قائد واحد: التواضع، كان يرى نفسه خادمًا للأمة، كما كان الإمام الخميني يقول: «أود أن تخاطبوني الخادم بدلًا من القائد».

كان شديدًا على الأعداء، كأصحاب رسول الله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. بالنسبة للأمة كان رحيمًا محبًا حبيبًا، يحبهم ويحبونه، ولكن بالنسبة للكفار كان شديدًا عليهم ولا يخضع لهم بأي لحظة أو رمشة.

كانت لديه ثقة بالشعب الإيراني، وكان يعتمد على هذا الشعب لأنه يرى فيه البركة. حبذا لو أن الحكام في عالمنا الإسلامي يلجأون إلى شعوبهم بدلًا من اللجوء إلى القوى الكبرى في حلحلة أمورهم. دعم العلم والعلماء ومراكز الدراسات والإنتاج العلمي.

كانت له رؤية استشرافية لمستقبل لا يرتهن بلحظة أو لحظات. كان يوازن بين الداخل والخارج، أي بين مقتضيات الدولة ومبادئ الرسالة، بين الحكمة والحزم، وبين الصبر والثبات.

إنه كان يهتم بنهضة العلم والتكنولوجيا. رأى أن الأمة التي حكمت العالم سبعة قرون في الماضي باستطاعتها أن تحكم العالم أيضًا أكثر من هذه القرون بحكمة وعقل وتدبر، وهذا لا يتحقق إلا إذا تطورت في المجالات المتعددة: في التكنولوجيا، في العلوم الحديثة، النانو، في النووي السلمي، وأمثال هذه العلوم التي يزدهر بها الاقتصاد خاصة في المستقبل بعد انتهاء دور النفط والغاز في المجتمعات البشرية. وكان يعتقد بهذه الآية اعتقادًا راسخًا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾.

هذه القوة كان يراها في القوة الاقتصادية والقوة العلمية والقوة الزراعية، وليس في القوة العسكرية فقط، مع أن دأبه بالقوة العسكرية أيضًا كان رائعًا، وهذا ما أثبتته الحوادث في هذه الحرب الغاشمة التي قامت بها الصهيو-أمريكية ضد إيران الإسلام. فكان الإمام الخميني يُعتبر هو المؤسس للجمهورية الإسلامية، وأن الإمام الشهيد هو المعمار والمهندس لديمومة هذه المؤسسة.

كان يتمتع بفقه راسخ يرجع إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأحاديث مدرسة أهل البيت (ع) ليستنبط ويستخرج منها ما يناسب العصر، وما يجعل الأمة تسير في ظل هذا الفقه الإسلامي الأصيل الذي يفتح الباب أمام الأمة الإسلامية.

كان شجاعًا في ميادين الحرب والسلم، قاد البلاد في أبان الحروب المتعددة سواء في زمن الإمام الخميني الراحل أو بعده. في هذه الحرب التي استمرت 12 يومًا، وفي الحرب الأخيرة التي قام بها العدو الصهيو-أمريكي في إيران، قاد هذه الحرب بحكمة وتدبير، مع أنه كان يرى لابد من وضع القيادات المتعددة في مختلف السطوح بحيث إذا سقط قائد أو إذا استشهد أحدها، يأتي الآخر لكي يقوم مقامه. وحتى بالنسبة إلى استشهاده، كان يرى بأنه إذا استشهد فهناك من يقوم بهذا المقام وهذا الدور، وهو الشعب الإيراني، عندما قال: «سيبعث هذا الشعب في وجه الأعداء».

وبالفعل، لقد انبعث هذا الشعب وخرج إلى الشوارع، واليوم هو بملايينه المتكاثرة في كافة البلدان وفي كافة المدن وحتى القرى والأرياف يتحرك هذا الشعب ويهتف باسم الإسلام وباسم الدفاع عن إيران الإسلام التي واجهت أعتى عدو في الكرة الأرضية، والذي يدعي زعيمها الرئيس الأمريكي ترامب بأنه أقوى قوة على الكرة الأرضية، وبالفعل هم أقوى قوة لكنهم خضعوا وذلوا أمام هذا الشعب.

من جملة الأمور التي كان يؤكد عليها الإمام الشهيد الراحل: هو وحدة الأمة ومواجهة الظلم. كان مؤمنًا بالوحدة الإسلامية عملًا وليس نظريًا فقط، فأسس مؤسسات التقريب في كافة البلدان الإسلامية، ومن أهم هذه المؤسسات المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، الذي ترأسه سابقًا المرحوم الشيخ واعظ زاده، ثم المرحوم آية الله الشيخ التسخيري الذي اعتبره لسان الإسلام ولسان التوحيد.

واليوم هذا المجمع هو رائد وقائد لتوحيد الأمة الإسلامية، وجمع ثلة من العلماء في العالم لكي يقوموا بهذا المشهد الحضاري الذي عليه أن يكون في المستقبل هو الرائد للأمة الإسلامية. وهذا الأمر سوف يبقى أثره للعالم الإسلامي وليس لإيران فقط.

خاتمة مسيرة هذا الإمام الشهيد: لقد توج بالشهادة، توج حياته بالشهادة في شهر رمضان المبارك وهو صائم. لقد سار على نهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه، فكما أن أمير المؤمنين استشهد في شهر رمضان المبارك على يد أشقى الأشقياء في الأرض وهو ابن ملجم، فكذلك الإمام الشهيد السيد الخامنئي رضوان الله تعالى عليه قد استشهد على يد أشق الأشقياء وهو دولاند ترامب ومعاونه نتنياهو. هؤلاء الذين مثلوا المدرسة الابستيمية الفاجرة والفاسقة، والذين كشفوا زيف الحضارة الغربية المعاصرة التي ادعوا بأنها جاءت من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الأطفال.

لكن لاحظنا بأم أعيننا أن هؤلاء قتلوا عشرات الآلاف من الأطفال في غزة ولبنان والعراق واليمن وفي إيران. ومدرسة “الشجرة الطيبة” في ميناب هي تعتبر الرمز وستبقى رمزًا لقتل الطفولة في العالم الإسلامي، رمزًا للبشرية لكي يعلم العالم بأن هؤلاء لم يكونوا على صدق عندما تكلموا.

وفي النهاية: إن الشعب الإيراني انطلق لينتخب خليفةً لهذا الإمام الشهيد، الخليفة الذي تربى على يد ذلك الإمام الشهيد ونهجه وتغذى منه فكرًا وعملًا وجهادًا وتزكية، هو الإمام السيد مجتبى الخامنئي (حفظه الله وأدام بقاءه)؛ سائرين خلف هذا الإمام من أجل إحياء الحضارة الإسلامية المعاصرة التي كان يطالب بها إمامنا الشهيد السيد الخامنئي.

كان يطلب من الأمة الإسلامية أن تنهض بهذه الحضارة لتكون مهيئة للحضارة العالمية الكبرى التي سيقودها ولي العصر إمام زماننا الحجة بن الحسن المنتظر (عج)، الذي سيأتي ويملأ الأرض قسطًا وعدلاً بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا؛ اننا نتطلع الى ذلك اليوم.

فرحمة الله على الشهداء، ورحمة الله على إمام الشهداء، ورحمة الله على جميع المؤمنين والمؤمنات. وإن الله ولينا، ومن كان الله وليه فلا غالب له؛ إن الله سينصرنا على أعدائنا، وإن النصر إلا من عند الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نوشته های مرتبط

منشورات ذات صلة

Related posts

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

آخرین مطالب

أحدث المحتوى

Latest News

پربحث ترین مطالب

المحتوى الأكثر مناقشة

The Most Discussed

Scroll to Top