آية اللّه الأعرافيّ في رسالةٍ إلى الشّيخ نعيم قاسم: وحدة محور المقاومة حقيقةٌ راسخةٌ.. الشعب اللبنانيّ العظيم قدّم للعالم نموذجًا فريدًا من الصمود والثبات

أكّد آية الله الأعرافيّ أنّ وحدة محور المقاومة وتلاحم قوّاتها في مختلف السّاحات تحوّلت اليوم إلى حقيقةٍ راسخةٍ تستند إلى إرادةٍ واعيةٍ وقيادةٍ حكيمةٍ، وتعبّر عن رابطةٍ عميقةٍ بين قوى شعبٍ حرٍّ اجتمعت على هدفٍ واحدٍ؛ هو الدّفاع عن الكرامة والوقوف في وجه الظّلم والعدوان.

وجّه آية اللّه عليرضا الأعرافيّ، مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة، رسالةً إلى حجّة الإسلام والمسلمين الشّيخ نعيم قاسم، الأمين العامّ لحزب الله اللّبنانيّ، جاء فيها:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]

﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 160]

سماحة العلامة المجاهد الشّيخ نعيم قاسم، قائد المقاومة الإسلاميّة في لبنان (حفظه الله تعالى ورعاه)

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أكتب لسماحتكم من قلب الميدان؛ حيث تستعر ألسنة النّيران ويدوّي هطول المدفعيّة في كلّ صوبٍ؛ ولكن فوق كلّ هذا الضّجيج، يرتفع صوتٌ لا يخمده دويّ رعدٍ ولا يطمسه أيّ دخانٍ، [وهو قوله تعالى:] ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الرّوم: 47]. إنّ الوعد الإلهيّ لا يتخلّف أبدًا، وفجر الانتصار يقترب كلّما اشتدّ ظلام العدوان. وجبهة المقاومة، الّتي استقرّت على المنطق السّماويّ والسّنن الإلهيّة الثّابتة، تمضي قدمًا باطمئنانٍ ويقينٍ؛ لأنّها استندت إلى ركنٍ لا ينهزم أبدًا، وسلّمت أمرها لناصرٍ لا يخذل أولياءه.

وفي هذا المقام، نحيّي بمنتهى الإجلال والتّكريم ذكرى قوافل الشّهداء الّذين ارتقوا في درب العزّة والكرامة؛ وفي طليعتهم الإمام الشّهيد والقائد الملهم، سماحة آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئيّ، وكذلك الشّهيد المقدّس والقائد الفذّ والتّاريخيّ، سماحة السيّد حسن نصر اللّه، الّذي كانت بصيرته نبراسًا للمجاهدين، وكلمته دليلًا للمقاومة، ودمه الطّاهر تجديدًا لعهدٍ خالدٍ لتبقى راية الجهاد خفّاقةً حتّى تحقّق وعد النّصر الإلهيّ.

أيّها القائد الشّجاع، لقد أيقظ مقاتلوكم الأبطال، أبناء الإيمان والتضحية، الضّمير العالميّ الّذي كان يئنّ تحت وطأة صمتٍ مخزٍ وقد استرخى بسبب المواقف الواهية والمتردّدة. وهم سطّروا بدمائهم دروسًا لن ينساها الدّهر أبدًا، وصنعوا بتضحياتهم ملاحم ستتناقلها الأجيال.

كذلك، قدّم الشّعب اللّبنانيّ العظيم، برجاله ونسائه وشبابه الصّابرين، للعالم نموذجًا فريدًا في الصّمود والثّبات، حتّى غدت مقاومته الشّعبيّة رمزًا للعزّة ومصدر إلهامٍ لجميع الشّعوب المتعطّشة للحرّيّة والكرامة. إنّ عظمة هذه المقاومة لا تكمن في سلاحها فحسب، بل في إرادة الشّعب الحيّ الّذي احتضنها، وحمل معها عبء التّضحيات.

واليوم، لم يعد جنوب لبنان مجرّد أرضٍ، بل هو قلبٌ ينبض بالشّرف، ويضخّ الكرامة في عروق البشريّة المنهكة. فقد أضحى مقبرةً لدبّابات “ميركافا” الّتي طالما تبجّح بها العدوّ، وساحةً للملاحم الخالدة الّتي سطرها أبناء مدرسة الشّهادة. ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249]

لقد قدّمتم للعالم صورةً مشرقةً لإرادةٍ لا تُقهر، ولشعبٍ قادرٍ على تحطيم الأساطير العسكريّة، وكشف هشاشة المحتلّ – مهما تعاظمت آلته الحربيّة – وتحطيم بيته العنكبوتيّ.

كذلك، تحوّلت وحدة محور المقاومة وتلاحم قوّاتها في مختلف السّاحات اليوم إلى حقيقةٍ راسخةٍ تستند إلى إرادةٍ واعيةٍ وقيادةٍ حكيمةٍ، وتعبّر عن رابطةٍ عميقةٍ بين قوى شعبٍ حرٍّ اجتمعت على هدفٍ واحدٍ، هو الدّفاع عن الكرامة والوقوف في وجه الظّلم والعدوان.

لقد تخلّى أبناء المقاومة عن مباهج الدّنيا الخادعة، ومضوا بقلوبٍ مفعمةٍ بالإيمان وأرواحٍ توّاقةٍ للشّهادة، تحت قيادتكم الحكيمة والشّجاعة، في درب الإيثار والفداء. وهم فتحوا أبواب الحبّ الإلهيّ لكلّ باحثٍ عن الحقيقة، وأرووا الأرواح المتعطّشة لوصال الخالق في زمنٍ اشتدّ فيه الخواء الرّوحيّ والانحطاط الأخلاقيّ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]

وما يثير الدّهشة أكثر، أنّ سهم المقاومة لم يخطئ في استهداف العدوّ الحقيقيّ، وهذا بحدّ ذاته دليلٌ واضحٌ على صفاء بصيرة شبابها، وحكمة القيادة الّتي ترسم المسار بثباتٍ وبُعد نظرٍ.

لقد راهن العدوّ على بعض الهفوات الدّاخليّة لإثارة فتنةٍ في صفوفكم وإشعال نار الفرقة بينكم، أو لفرض معركةٍ جانبيّةٍ وهامشيّةٍ لاستنزاف طاقاتكم وتشتيت طاقاتكم. غير أنّكم، كما عرفكم التّاريخ، أفشلتم هذه المؤامرة، وحوّلتم مكره إلى هزيمةٍ نكراء، وخططه المسمومة إلى رمادٍ تذروه الرّياح.

كما نؤكّد في هذا السّياق، أنّ الحوزات العلميّة، والمراجع الدّينيّة، وجمعًا غفيرًا من العلماء في العالم الإسلاميّ، يقفون إلى جانب هذه المقاومة المباركة، ويعلنون دعمهم الكامل لها، لا سيّما للمقاومة اللّبنانيّة الشّامخة، وهم مستعدّون لتقديم كافّة أشكال الدّعم المعنويّ والعلميّ والعمليّ لنصرة طريق الحقّ والعدالة.

وممّا لا شكّ فيه، أنّ النّصر الّذي وعد اللّه به المجاهدين، يتجلّى اليوم بأصدق معانيه. وتظهر بشائر هذا النّصر مع كلّ لحظة صمودٍ، ومع كلّ موقفٍ يثبت أنّ الحقّ منتصرٌ مهما طال الزّمن، وأنّ الباطل زاهقٌ مهما علا ضجيجه. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الرّوم: 4-5]

نبارك لسماحتكم هذا الصّمود الميمون، ونعلن عن دعمنا لكم بكلّ ما أوتينا من قوّةٍ، ونسأل اللّه تعالى أن يمنّ عليكم دائمًا بالتّوفيق والثّبات، وأن يحقّق على أيديكم النّصر المؤزّر وزوال الاحتلال، وأن يجعلكم مصدرًا للخير ورادعًا للشّرّ. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]

عليرضا الأعرافيّ

مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة

نوشته های مرتبط

منشورات ذات صلة

Related posts

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top