يُعدّ كتاب «البرهان على ثبوت الإيمان» من المؤلفات الكلامية لأبي الصلاح تقي بن نجم الحلبي (٣٧٤–٤٤٧هـ)، ويتناول بيان أصول العقيدة الإمامية بالاستناد إلى البراهين العقلية. ويُعدّ هذا الكتاب أول عنوان يصدر ضمن مجموعة آثار أبي الصلاح الحلبي، بمناسبة مرور ألف عام على وفاته.
ويُعدّ أبو الصلاح الحلبي من الشخصيات العلمية المؤثرة في التراث الكلامي الإمامي، إذ أسهم في تعزيز الصلة بين مدرسة بغداد الكلامية والحوزة العلمية في حلب. وقد تشكّلت آراؤه في بيئة علمية تأثرت بتراث متكلّمين بارزين، من أمثال الشريف المرتضى والشيخ الطوسي، وتكتسب مؤلفاته أهمية في دراسة انتقال الفكر الكلامي الشيعي وانتشاره. ومن أبرز آثاره المعروفة في هذا المجال كتاب «تقريب المعارف».
بنية الكتاب وأبرز مباحثه العقدية
قسّم المؤلف مباحث هذه الرسالة إلى قسمين رئيسين: «الكلام في التوحيد» و«مسائل العدل»، وتناول ضمنهما جملة من القضايا العقدية، من بينها إثبات وجود الله تعالى، والتوحيد والصفات الإلهية، والعدل، والنبوة والمعجزة، والإمامة وما يتصل بها من مسائل، كالعصمة وضرورة نصب الإمام، فضلًا عن المعاد.
ويُعدّ المنهج الاستدلالي والاعتماد على البراهين العقلية من أبرز سمات هذا الأثر. ويؤكد أبو الصلاح، في عرضه للمبادئ العقدية، ضرورة معرفة أصول الإيمان، متخذًا موقفًا حازمًا إزاء الجهل بها أو الشك فيها؛ وهو ما يعكس المكانة المحورية للمعرفة العقدية في منظومته الفكرية.
انتقال النص وحفظه في كتاب آخر
من أبرز الخصائص المتعلقة بتاريخ النص أن رسالة «البرهان على ثبوت الإيمان» لم تُعرف لها، حتى الآن، نسخة خطية مستقلة، بل حُفظ نصها الكامل ضمن كتاب «أعلام الدين في صفات المؤمنين» لحسن بن محمد الديلمي، ومن خلاله وصل النص إلى الباحثين المعاصرين. ولذلك ارتبط تحقيق الرسالة ودراسة نصّها بمقابلة النسخ الخطية المتاحة من كتاب الديلمي.
واعتمد المحققون في هذه الطبعة على مقابلة نسختين خطيتين من كتاب «أعلام الدين». وتُحفظ النسخة الأساس في مكتبة المخطوطات التابعة للعتبة الرضوية المقدسة، فيما توجد النسخة الثانية، المكتوبة بخط الشيخ محمد السماوي، في مكتبة آية الله الحكيم في النجف الأشرف.
وبحسب ما أورده المحققون، تتمتع نسخة مكتبة العتبة الرضوية المقدسة، ذات الرقم ٥٦٧٩، بأهمية خاصة. وقد اعتبروا سنة ٦٦٨هـ تاريخًا لنسخ المخطوطة، وفسّروا التدوين المتأخر الوارد فيها بأنه إجازة أو إثبات قراءة، لا تاريخًا لنسخها؛ وهو تفسير يختلف عن بعض القراءات السابقة لتاريخ هذه النسخة.
منهج التحقيق وإعداد النص
في إطار العمل التحقيقي، نُسخت النسخة الأساس وقوبلت بالنسخة الأخرى، وأُثبتت الفروق بين النسختين في الهوامش. كما جرى اختيار القراءات المعتمدة في النص وفقًا للقرائن المخطوطية، وسياق العبارات، والشواهد العلمية ذات الصلة.
وشملت أعمال التحقيق أيضًا ضبط علامات الترقيم، وتنظيم الفقرات وتقسيم الموضوعات، وتخريج الآيات القرآنية والإحالة إليها، بما يسهم في تحسين وضوح النص وتيسير قراءته.
ولم يقتصر عمل المحققين على ضبط النص ومقابلة نسخه، بل سعوا كذلك إلى إبراز البناء الاستدلالي للرسالة بصورة أوضح؛ فجرى تنظيم مقدمات الاستدلالات ونتائجها، إلى جانب الاعتراضات والأجوبة، بما يسهّل على الباحثين دراسة حجج المؤلف وتقويمها.
مقدمة بحثية ومكانة أبي الصلاح الحلبي الكلامية
تتضمن هذه الطبعة مقدمة بحثية موسّعة تتناول السيرة العلمية لأبي الصلاح الحلبي، ومكانته في التراث الكلامي الإمامي، ومؤلفاته والمصادر المرتبطة بأفكاره، فضلًا عن تحليل مضمون الرسالة. كما تبحث المقدمة صلته بالبيئة الكلامية في بغداد وعلاقته بالتراث العلمي لشخصيات بارزة، من أمثال الشريف المرتضى والشيخ الطوسي.
وتتناول المقدمة أيضًا تقييم بعض التيارات الفلسفية والعرفانية من وجهة نظر معدّيها. وتعكس هذه المباحث الرؤية العلمية لمعدّي المقدمة وأحكامهم البحثية، ويمكن دراستها في إطار النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين علم الكلام الإمامي والفلسفة والعرفان.
خطوة في إحياء التراث الكلامي الإمامي
أُنجز تحقيق كتاب «البرهان على ثبوت الإيمان» بالتعاون البحثي بين مهدي عزيزبوريان، وحسين مرادي، وجعفر هنرمند، وصدر عن منشورات العلمية. وتكتسب هذه الطبعة أهمية خاصة في دراسات تاريخ علم الكلام الإمامي وتحقيق النصوص الكلامية التراثية، نظرًا إلى عدم العثور على نسخة خطية مستقلة للرسالة، وبقاء نصها محفوظًا ضمن مؤلَّف آخر.
وإلى جانب إتاحة نص الرسالة للباحثين، تفتح هذه الطبعة المجال أمام دراسة أعمق للمبادئ العقدية لدى أبي الصلاح الحلبي، ومنهجه في الاستدلال، وموقعه ضمن المدرسة الكلامية الإمامية، بما يسهم في التعرف بصورة أدق إلى جوانب من التراث الفكري لهذا المتكلم البارز في تاريخ الفكر الإسلامي.











