وعُقد مؤتمر “الهوية الدينية والهوية العالمية: آفاق الحوار بين الأديان” بمشاركة أساتذة جامعيين وباحثين دينيين ونشطاء في مجال الحوار بين الأديان من إيران والنمسا، وذلك بدعم من المستشارية الثقافية الإيرانية في النمسا (دار حكمة الإيرانييين في فيينا).
ويُعدّ هذا المؤتمر الذي يُصنّف ضمن أهمّ مؤتمرات حوار الأديان الإيرانية خلال العقدين الماضيين في أوروبا، مُخصّصاً لدراسة أحد أهم قضايا المجتمعات المعاصرة وهي: كيف يُمكننا تحقيق مسؤولية مشتركة تجاه العالم ومستقبل البشرية مع الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية، في مواجهة الظروف التي أوجدتها التقنيات الحديثة والتي ستزداد تعقيداً تدريجياً؟
كان من بين المتحدثين في هذا المؤتمر، الشيخ “محمد مهدي إيماني بور”، رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية ورئيس المجلس الأعلى للحوار بين الأديان في إيران (عبر الإنترنت)، ذو”مهدي أصفهاني” عضو هيئة التدريس في معهد طهران للعلوم الإنسانية والدراسات الثقافية، و”فرانتس غماينر-برانتسل”، رئيس قسم الشريعة النظامية في جامعة سالزبورغ، و”أستريد ماتس” أستاذة الدراسات الاجتماعية للدين في جامعة فيينا، و”إلمر كوهين” الرئيس الدولي لتحالف المنظمات القائمة على الايمان، و”أفسر راثور” نائب مدير مكتب الأمم المتحدة للدراسات في فيينا، و المستشار الثقافي الإيراني في النمسا وعضو هيئة التدريس في معهد أبحاث العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية في طهران “رضا غلامي” , وغيرهم من الشخصيات العلمية والأكاديمية.حاجة البشر إلى نظام عالمي يقوم على السلام المستدام
وفي البداية، أكد “بيتر هايدر”، رئيس اتحاد السلام العالمي في النمسا ومدير المؤتمر، على ضرورة دراسة العلاقة بين الهوية الدينية والهوية العالمية.
وأشار إلى تعقيدات عالمنا المعاصر ودور الأبعاد الدينية في بعض الصراعات، طرح هايدر تساؤلًا حول ما إذا كان التمسك بالهوية الدينية متوافقاً مع بناء هوية مشتركة على المستوى العالمي، أم أن هناك توتراً بينهما.
الفطرة الإنسانية يمكن أن تكون حلقة الوصل بين الهوية الدينية والهوية العالمية
وبدوره، أكد حجة الإسلام والمسلمين “الشيخ محمد مهدي إيماني بور”، رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية ورئيس المجلس الأعلى للحوار بين الأديان والثقافات، في هذا المؤتمر: “أن الحوار البنّاء بين الأديان يجب أن يتجاوز مجرد حل سوء الفهم، وأن يُفضي إلى تحديد القضايا المشتركة والتعاون في حلها.”
وقال الشيخ “إيماني بور”: “إن الحوار الحقيقي لا يبدأ من دون هوية، بل يتطلب هوية واعية”.
كما انتقد التناقض بين شعارات السلام ونزعات الحرب والسلوكيات التدميرية في عالمنا المعاصر، داعياً الأوساط الأكاديمية إلى الاختيار بين منطق القوة وقوة المنطق.
كما أكدت “مليحة نوروزي” الباحثة النظرية في الفن بفيينا، خلال كلمتها بالاجتماع: “أن حماية المقدسات في الفنّ الديني لا تتحقق بإزالة الصور أو تجنب وسائل الإعلام، بل تتطلب “اتفاقات مشتركة بين الأفراد” حول كيفية تمثيلها وعرضها.”
وحذرت من أن انتشار العولمة يُضعف هذه الاتفاقات، ويُعرّض الفن الديني لـ مخاطر كـ التسليع؛ وأن الفنّ وحده لا يستطيع إعادة بناء هذه الاتفاقات المفقودة.
وأكد “مهدي أصفهاني” الأستاذ الجامعي وعضو مركز الحوار بين الأديان في رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، أن الهوية الدينية والهوية العالمية ليستا متناقضتين، بل متداخلتين.
وأردف قائلاً: “في الطبقات الكامنة وراء جميع الهويات الفردية والاجتماعية أساسا مشتركا، ألا وهو معرفة الإنسان المباشرة بذاته في ضوء معرفة الله، وهذا الأصل الإلهي، المستقل عن أي تأثير هامشي أو تعليمي، يشكل الركيزة الأساسية للهوية الإنسانية المشتركة.”
حوار الأديان أداة عملية لإرساء السلام في العالم
قال افسر راتور، أحد المديرين الدوليين لتحالف المنظمات القائمة على الإيمان ومن موظفي مكتب الأمم المتحدة في فيينا، استناداً إلى 27 عاماً من الخبرة في العمل في مناطق الأزمات: الهوية الدينية والهوية العالمية لا تتبادلان العداء، بل تكملان بعضهما البعض.
وأشار راتور إلى مبادرات الأمم المتحدة في مجال حوار الأديان ونماذج من التعاون بين المسلمين والمسيحيين في المناطق المتصارعة، قائلاً إن القادة الدينيين يمكنهم لعب دور أساسي في صنع السلام والمصالحة.
ووفقاً له، فإن السلام لا يعني فقط نهاية الحرب، بل يتطلب إحياء الثقة، والعدالة، والكرامة الإنسانية، والاحترام المتبادل.
وأكد في ختام حديثه أن حوار الأديان لا يعني التخلي عن الاختلافات، بل هو وسيلة لبناء هوية عالمية يمكنها استيعاب التنوع الديني والثقافي.
وفي هذا السياق، قال البروفيسور المر کوهن, الرئيس الدولي لتحالف المنظمات القائمة على الإيمان, في خطابه بعنوان “الأديان بمثابة سفينة”: “يمكن للأديان أن تكون منبعاً للأمل والاستقرار في عالم مليء بالحرب وانعدام الأمن, لكن الاستغلال السياسي لها قد يؤدي إلى الكراهية والعنف”.
وبدوره، أشار “رضا غلامي”, المستشار الثقافي الإيراني لدى النمسا الى انتشار الذكاء الاصطناعي والتحولات المتسارعة في التكنولوجيا, وقال إن الهوية العالمية لم تعد مجرد موضوع نظري, بل هي قيد التشكل في سياق الاتصالات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي, ومع ذلك, لا ينبغي للعولمة أن تؤدي إلى نشر ثقافة معينة وتحويلها إلى معيار عالمي.
وشدد هذا الأستاذ الجامعي على قيمة التنوع الديني والثقافي, مذكراً بأن قيماً مثل الكرامة الإنسانية, والصدق, ومساعدة المستضعفين, وتحمل المسؤولية يمكن أن تكون أساساً للتعاون بين التقاليد المختلفة, دون أن تحل محل هوياتها الخاصة.
وفي الختام, أشار عضو هيئة التدريس في معهد أبحاث العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية إلى مفهوم إيقاظ العقل في نهجالبلاغه, معتبراً دور الأديان يتجاوز مجرد ردّ الفعل على التحولات التكنولوجية, وأكد على ضرورة تعزيز قدرة الإنسان على الحكم الواعي بشأن التكنولوجيا, وهويته, ومستقبله.
ووفقاً لقوله, فإن الهوية العالمية الحقيقية لا تتشكل بحذف الاختلافات, بل بالقدرة على العيش جنباً إلى جنب مع الاختلافات وخلق معنى مشترك.











