“إن الصور والتقارير التي تُبثّ هذه الأيام من مدن جمهورية أذربيجان، والتجمعات السلمية للعائلات والمعلمين والمعلمات إحتجاجاً على حظر دخول الطالبات والمعلمات المحجبات إلى البيئات التعليمية، أمرٌ مؤسف.
إن مشهد الفتيات الصغيرات واقفات أمام أبواب الفصول الدراسية المغلقة، يحملن حقائبهن المدرسية على أكتافهن، وعيونهن دامعة، والمعلمات المتعاطفات المحرومات من نقل الأفكار والمعرفة بسبب إرتدائهن الحجاب، يُدمي قلب كل مراقبٍ محايد أكثر من أي شيء آخر.
هذه الأحداث تُنذر بخطرٍ جسيمٍ على بلدٍ يشكّل المسلمون فيه الأغلبية الساحقة من السكان. إن تبرير هذا القرار في إطار شعارات مثل “علمنة بيئة التعليم العام” يستلزم مراجعة جوهرية ومواجهة واقعية لطبيعة المسألة.
والحقيقة أن الحجاب، في علم الاجتماع الديني وفي الفهم العميق لتعاليم الإسلام، ليس مجرد زينة ظاهرية أو غطاء بسيط. بل هو امتداد مباشر لإيمان داخلي، وواجب ديني، والتزام عملي بالشريعة الإسلامية التي شكلت نسيج الهوية التاريخية والثقافية للمجتمع.
لذا، فإن منع طفلة أو معلمة محجبة من دخول البيئة التعليمية، في نظر الضمير العام للمجتمع، لا يُفسر على أنه حماية للقانون والنظام، بل يعدّ مثالاً واضحاً على مواجهة المقدسات وتجاهل أبسط الحقوق الإنسانية والمواطنة.
والنقطة الأساسية التي تستدعي اهتمامًا خاصًا من صناع القرار في باكو هي غياب التمييز الصحيح بين الوظيفة المحايدة للدولة وسلب الحريات الفردية والدينية للمواطنين. هذه الوظيفة الحكومية والهيكلية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة إقصائية لطرد شريحة كبيرة من المجتمع.
إن حرمان الطالبات والمعلمات المحجبات من حقهن في التعليم، وهو أول وأبسط حق مشروع لأي أمة، يتعارض بشكل واضح مع روح العدالة وحقوق الإنسان والتعليم الشامل.
وفي هذا المسار، يمكن أن تشكل إعادة قراءة التاريخ المعاصر للمنطقة وتجارب الدول المجاورة دليلاً إرشادياً بالغ الفائدة لمسؤولي حكومة جمهورية أذربيجان. فعلى مدى عقود في جمهورية تركيا، سعت التيارات المتشددة والأحزاب العلمانية إلى فرض هوية قسرية على المجتمع عبر حظر صارم، وتقييد دخول النساء المحجبات إلى الجامعات والدوائر الحكومية، وقمع مظاهر التدين العام.
وما كانت خاتمة تلك التجربة الطويلة؟ لم تختف المعتقدات الدينية والتقليدية لدى الشعب التركي، ولم تتقلص الفجوة بين الدولة والشعب. بل إن تطبيق تلك القيود المعادية للدين وغير المبررة أدى إلى تراكم استياء عميق، وإلى شعور بالتمييز البنيوي في أوساط الجماهير المتدينة، وفي النهاية إلى تحول جذري في المشهد السياسي لذلك البلد.
قد أظهرت عملية التنشئة الدينية أن فرض القيود على الشعائر والأحكام المتجذرة لا يؤدي فقط إلى ضعفها، بل يعزز ارتباط المجتمع بتقاليده الأصيلة.
وقد شددت حكومة جمهورية أذربيجان دائما في العلاقات الرسمية والخطابات العامة على ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية، والحفاظ على الصلة بين التاريخ والتقاليد والمستقبل، وصون الهوية الأصيلة للشعب.
إن تحقيق هذه الأهداف المعلنة لن يكون ممكناً إلا في ظل الاحترام المتبادل، وسعة الصدر في مواجهة الاختلافات، وفهم التقاليد والمعتقدات الإيمانية لأغلبية المجتمع. أما الطالبات اللواتي ينظرن اليوم إلى الفصول الدراسية بكراهية ودهشة خلف الأبواب المغلقة، سيكن مصدر فخر للعالم الإسلامي، وسيحظين بالدعم من خلال التزامهن بأحكام الشريعة. إن وضع العائلات في معضلة مريرة وغير عادلة للاختيار بين “التمسك بمعتقداتهم الراسخة” و”مواصلة تعليمهم” يزرع بذور الحقد في قلوب الأجيال الحالية والمستقبلية. والأمل المرجو من الحكومة الأذربيجانية هو أن تراجع هذا القرار المثير للتوتر بحكمة وروية، وأن تتجنب قبول النصائح المتحيزة والمثيرة للفتنة.
إن إعادة فتح أبواب المدارس أمام جميع أبناء المسلمين في تلك الأرض من دون شروط مفروضة، ستبعث برسالة واضحة إلى العالم حول فهم الروابط التي لا تنفصم بين الأمة والشريعة والروحانية.
بقلم رجل الدين والباحث الايراني ورئيس رابطة الثقافة والعلاقات السلامية في إیران “حجة الإسلام والمسلمين الشیخ محمد مهدي إيماني بور”











