اعتداءات من يهود القدس المتشددين على المسيحيين

تتصاعد في القدس المحتلة ظاهرة تعدّي المستوطنين والحريديم المتزمتين على الرموز والمقدّسات المسيحية، فيما يوثّق عشرات الناشطين الإسرائيليين سلسلة الاعتداءات والمضايقات بهدف الضغط على سلطات الاحتلال، متّهمين إيّاها بأنّها تغضّ النظر عن تلك السلوكيات رغم ما تحمله من مشاعر عنف وكراهية.

كان الأسبوع الأخير صعباً على المقدّسات المسيحية في البلدة القديمة من القدس المحتلة، إذ وُثّق ما لا يقلّ عن خمس حالات بصق يوم الجمعة الماضي، بحسب ما رصده مراسل “العربي الجديد”، وذلك تزامناً مع عيد العرش اليهودي، أو باسمه العبري “سوكوت”، ومرور أعداد كبيرة من المستوطنين واليهود المتزمتين دينياً (الحريديم) في أزقة البلدة، حيث اختار بعض هؤلاء البصق نحو الرموز المسيحية.

وكان مراسل “العربي الجديد” قد لاحظ خلال سيره في “طريق الآلام” باتجاه باب حطة أعداداً من المتديّنين اليهود يمرّون من هناك، حاملين سعف النخيل. وعند وصوله إلى مدخل “كنيسة حبس المسيح”، سمع ناشطة إسرائيلية تشرح لآخر باللغة العبرية أنّها توثّق اليهود الذين يبصقون عند مرورهم بالكنيسة، ليتبيّن لاحقاً لـ”العربي الجديد” أنّ تلك الناشطة هي مديرة الخط الساخن في مركز بيانات الحرية الدينية يسكا هراني. وعلى مدار الأيام السابقة، سُجّلت حوادث أخرى، وربما ارتفع العدد أيضاً في نهاية ذلك اليوم (الجمعة). ولكن تلك الناشطة لم تكن وحدها، بل ثمّة متطوّعة أخرى كانت تجري اتصالاتٍ مكثفة، تتحدث أحياناً مع الشرطة الإسرائيلية، وتبلغ عن حالات بصق في المكان.

وبحسب معطيات منشورة في موقع مركز بيانات الحرية الدينية الذي يهتمّ بتوثيق إساءات اليهود الإسرائيليين إلى المسيحيين، وعلى رأسها ظاهرة البصق، وُثقت 83 حادثة إساءة واعتداء خلال شهرَي إبريل/ نيسان ويونيو/ حزيران 2026، من بينها 47 حالة بصق، 5 حالات إلقاء أشياء ونفايات، 6 حالات تخريب لافتات، 8 حالات تلفّظ بعبارات كراهية وتحريض، 4 حالات عنف، 6 حالات لسلوكيات تنطوي على تهديد، و7 حالات إساءة من أنواع أخرى. ومن المنتظر إصدار تقرير جديد عن الفترة اللاحقة.

حالة تطرّف وغلو

في حديثها إلى “العربي الجديد”، تعتبر هراني أنّ “هناك حالة تطرّف وغلو”، ولا بدّ من وضع الشرطة والحكومة الإسرائيلية أمام مسؤولياتهما للحد من الظاهرة المتصاعدة. وتقول: “لأعوامٍ عدّة درّستُ تاريخ الأديان وتاريخ المسيحية. وفي الأعوام الأخيرة، لمستُ الحاجة إلى التوثيق، من أجل العمل ضد الاعتداءات والمضايقات الموجّهة إلى المسيحيين، وإلى أي شخص ينتمي لأي دين في هذه البلاد. وهناك ظاهرة تطرّف. نحن نعلم ذلك، وهو ليس بالشيء الجديد، ولكن هذا يتجلّى إحصائياً في كلمات مسيئة، وفي البصق، وأحياناً في العنف”. وتلفت إلى أنّ “العنف الجسدي ما زال قليلاً جدّاً حتى الآن، ولكن البصق للأسف كثير جداً”.

وتتحدث هراني عن 140 متطوعاً إسرائيلياً يهودياً نظّموا صفوفهم قبل ثلاثة أعوام ونصف عام بهدف “التعامل مع الظاهرة، والتواصل مع الرهبان ورجال الدين والمؤسسات المسيحية، وبالتالي توثيق كلّ حادثة بحيث لا تختفي أو تندثر، وبحيث لا يمكن الادّعاء مستقبلاً أنّها ظاهرة هامشية. وبالإضافة إلى التواصل الدائم، نحن موجودون أيضاً في الشوارع كما هي الحال الآن، في فترة عيد العرش وغيره”.

وتؤكّد هراني أنّ “دور الشرطة هو ضبط المجرمين، وليس القبض على المواطنين الصالحين. ونحن بدورنا نساعد عناصر الشرطة من خلال الإبلاغ عن كلّ حالة بصق، سواء ألقوا القبض على الفاعلين أم لا، لكي نضعهم أمام مسؤولياتهم، بحيث لا نترك لهم خياراً، ولن يتمكّنوا من الادّعاء أنّ شيئاً لم يحدث وإنكار ذلك. إذ نوثّق وجه الشخص الذي بصق، ونقدّم معطيات محدّدة حول زمان ومكان وقوع ذلك، وهم يستطيعون المراجعة والنظر في الكاميرات”. وتضيف هراني: “لا يكفي فقط الوجود في الميدان. لدينا محامون يعملون متطوعين مثلنا تماماً، وهم محامو الحركة من أجل اليهودية المتقدّمة أو ما يُعرف باليهودية الإصلاحية، حيث نُحيل إليهم الملفات، ويفحصون بدورهم أسباب إغلاق الملفات، وهل جرى التحقيق كما ينبغي أم لا. وفي حال لم يُغلق الملف، يتابعونه في المحكمة لمعرفة طبيعة العقوبة”.

ردع الظاهرة بالقانون 

ترى هراني أنّ الأهم هو “محاولتنا الوصول إلى الوزارات والمكاتب الحكومية لسنّ تشريعات وقوانين، ولا يهمّ حالياً أي حكومة هي القائمة، فالتشريعات هي الأمر الأكثر الأهمية. وإذا حوّلوا هذا الشارع (طريق الآلام) وشارع البطريركية الأرمنية إلى شارع تراث ديني يخضع لمعايير يُحظر فيها البصق أو رمي القمامة أو ما شابه، حينها سنتمكّن من استخدام قوة القانون ضد من يفعلون ذلك، وستصبح هذه مخالفة بلدية بموجب القانون. لذا نعمل على هذا أيضاً، حيث نجمع المواد والإحصائيات ونضغط على السلطات التي ما زالت مستعدة للإصغاء إلينا لسنّ قوانين. أما التربية، فهذا أمر سيستغرق أعواماً طويلة”.

وعلى الرغم من عدم الوصول إلى النتائج المرجوّة، وكما يبدو عدم تعامل الشرطة والسلطات الإسرائيلية بجدية من أجل وقف هذه الظاهرة التي تنمّ عن كراهية فئات يهودية للمسيحيين، ترى هراني أنّه يجب عدم الاستسلام أمام هذا الجرم. وتتابع: “قناعتي هي أنّه إذا استسلمنا، فإنّنا نتعاون مع الشر. لذا، وعلى الرغم من أنّني في هذه القضية منذ ثلاثة أعوام ونصف عام، ولم أكن أريد أن أجد نفسي متخصّصة في المسيحية والأديان أركض في الشوارع، ولكنّنا في النهاية سننتصر، حتى لو استغرق الأمر ثلاثة أعوام أخرى. لأننا أولاً وقبل كل شيء أخرجنا هذه الظاهرة من الظلمة إلى النور. لا يمكن الحديث اليوم عن شخص هنا وطفل هناك، بل هذه ظاهرة، ونحن سنستمر ولن نستسلم، وسننشر هذا الأمر حتى إصلاحه. إذا استسلم الناس، فإنهم يصبحون شركاء في الجريمة. وأنا لن أستسلم”.

وعن ردات الفعل الدولية الغاضبة التي تثيرها مثل هذه السلوكيات، تعترف هراني: “يجب عليّ القول إنّني لا أستمتع بكون العالم يرى ويظنّ أنّ جميع اليهود الشيء نفسه، وأنّ كلّ اليهود المتدينين أو المؤمنين يفعلون ذلك. أنا يهودية مؤمنة، وأذهب إلى الكنيس، ولا أريد أن أوضَع في السلة نفسها. ولكن لا خيار، فأحياناً هذا (الغضب الدولي) يشكّل ضغطاً على حكومتنا”.

ليست قصة زعران بل دولة

في حديثه إلى “العربي الجديد”، يقول منسق منتدى مسيحيي الأرض المقدسة وديع أبو نصار إن “مشكلتنا الأساسية ليست مع بعض الزعران، بل مع الدولة”. ويوضح أنّ “بعض المؤسسات اليهودية تربّي أفرادها على كراهية الآخر، وكأن اعتداءاتهم صارت أمراً مسموحاً به، يفعلون ما يشاءون، وبالمقابل، الجهات التي تُحرّض لا تُحاسَب. ويمكن فتح شبكة الإنترنت ورؤية حاخامات يهود كُثر يمارسون التحريض، ولا يقتصر الأمر على واحد أو اثنين. كما أنّه عند وقوع اعتداءات من هذا النوع، لا نلمس أيّ جهد حقيقي من قبل الشرطة الإسرائيلية، أي أنّه يجب عليك القبض على المعتدي بنفسك وإحضاره وتسليمه للشرطة، ومع ذلك قد لا تفعل شيئاً”.

وبحسب أبو نصار، فإنّ “الحي الأرمني في القدس هو أكثر الأحياء تعرّضاً لهذه المضايقات، والشرطة هناك لا تتعاون إطلاقاً. هناك خلل كبير في الدولة (إسرائيل)، وعليه، لو كانت هناك دولة رادعة ومُربّية، لما حدثت هذه الأمور. بالمقابل، لو أنّ عربياً بصق على يهودي، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولربما اعتقلوا الشخص وضيّقوا على كلّ عائلته. نحن أمام دولة تعاني من فساد وخلل كبير. عندما يعتدون ويبصقون، ويشعرون أنّ الدولة داعمة لهم، فهذا يمنحهم حافزاً للاستمرار بهذه السلوكيات الرعناء”.

“إسرائيل تستخف بنا وبالعالم أجمع“

ويتحدث أبو نصار عن استخفاف إسرائيلي بالشكاوى المقدّمة حول الأمر. ويضيف: “لم نترك أحداً لا في الداخل ولا في الخارج إلّا وتواصلنا معه. لم نترك مسؤولاً في إسرائيل، ولا دبلوماسياً، ولا جهة دولية إلا وتواصلنا معهم، ولكن الجهات الإسرائيلية تستخف بنا وبالعالم أجمع. على سبيل المثال، في وزارة الخارجية ورئاسة الدولة، يدعوننا إلى عدم القلق، ويدّعون أنّهم يتابعون الموضوع، ولكن لا يمكننا التأكّد من ذلك، وحتى لو تابعوا، فالأطراف الأخرى لا تستجيب لهم. أمّا في مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فلا يوجد أحد يمكنك الحديث معه. يقومون بتحويلنا من جهة إلى أخرى من دون اهتمام حقيقي، ويصرّحون بأن الوضع في إسرائيل هو الأفضل في العالم! تخيّل أنّهم يدّعون أنّ على العالم أن يتعلّم من إسرائيل. إنها مشكلة كبيرة، والمشكلة الأكبر أنّ السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي سيّئ للغاية”.

ويكشف أبو نصار أنّ المجتمع الدولي يشكو أيضاً من عدم تجاوب الجهات الإسرائيلية، ويقول: “التقيتُ ببعض الدبلوماسيين والسفراء وقالوا لي إنّ المسؤولين الإسرائيليين لا يجيبون على اتصالاتهم ولا يتجاوبون معهم. وأنا أعتقد أنّ المجتمع الدولي هو من يسمح باستصغاره لأنه لا يملك الجرأة على اتّخاذ خطوات جادّة. لقد أبلغت العديد من المسؤولين الدوليين بأنّ الأمر يحتاج إلى حزم. أتذكّر في عام 2015 عندما وقع الاعتداء على كنيسة الطابغة قرب طبريا، أبدى الألمان موقفاً شديد الحزم تجاه إسرائيل، فقبض الأمن الإسرائيلي على الجناة خلال يومين أو ثلاثة فقط”.

كان موقف الألمان يومها، وفق أبو نصار، أن “هذه الكنيسة لم تحترق عبثاً، بل بفعل فاعل، وأن على إسرائيل الكشف عن الفاعلين وتقديمهم للعدالة”. ويتابع: “عليكم بذل كلّ جهد ممكن لأن لديكم الأجهزة والوسائل للقيام بذلك، وإلا فإنّ علاقاتنا كألمانيا معكم ستتضرر. أما الاكتفاء بعبارات الاستنكار وطلب النظر في الأمر، فلن يُجدي نفعاً”. ويختم أبو نصار بالقول: “ظاهرة البصق تجاه الكنائس مستمرة، كما أنّ المسجد الأقصى يتعرّض لاقتحامات غير مسبوقة، والسؤال أين هم الذين يتحدّثون عن وجوب حماية المقدّسات وحرية الأديان؟ أين الدول العربية التي لديها اتفاقيات سلام وتطبيع من كلّ ما يحصل؟”.

نوشته های مرتبط

منشورات ذات صلة

Related posts

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top