ما لا يقل عن ثمانية ملايين شخص بمن فيهم أكثر من نصف مليون مسلم، يتحدثون باللغة البلغارية التي قد لعبت دوراً بالغ الأهمية في تاريخ ترجمة القرآن الكريم في منطقة البلقان، التي لطالما كانت ملتقى للثقافة السلافية المتأثرة بالثقافة التركية، لم تقتصر أهمية ترجمة القرآن إلى البلغارية على الجانب الديني فحسب، بل امتدت لتشمل التأثير على الخطابات القومية والسياسية في المنطقة.
ويعيش غالبية المسلمين البلغار الذين يُطلق عليهم اسم “الأتراك” في اللهجة المحلية، في جنوب البلاد، ولا يزالون يستخدمون اللغة التركية كـ لغة أساسية للتواصل والوعظ الديني، بينما يستخدم “البوماك” وهم مسلمون ناطقون بالبلغارية ويعيشون في بلغاريا وشمال شرق اليونان، وخاصة شمال غرب تركيا، و”الروما” (الغجر)، وغيرهم من الجماعات العرقية المحلية، اللغة البلغارية بشكل رئيسي.
ولهذا السبب، اعتبر المسلمون الناطقون بالتركية في المنطقة أولى ترجمات القرآن الكريم إلى البلغارية على يد المبشرين المسيحيين في النصف الأول من القرن العشرين، والتي استندت إلى ترجمات أوروبية موجودة بالألمانية والفرنسية والإنجليزية، بمثابة تحدٍّ لهويتهم.
ولا يزال هذا التوتر قائماً إلى حد ما، ويُعدّ النضال من أجل الحقوق اللغوية قضية رئيسيةً بالنسبة للسكان الأتراك في البلاد.
في هذا السياق، نُشرت أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة البلغارية على يد مسلم، والتي أنجزها “محمد شمس الدين” بين عامي 1986 – 1989، في عام 1991 من قبل ناشر غير رسمي وبعد ذلك، في عام 1993، نُشر تفسير للقرآن الكريم في طبعة محدودة من قبل لجنة برئاسة المفتي “نديم غاندزيف”.
أما الترجمة التالية للقرآن الكريم إلى اللغة البلغارية فـ كانت من تأليف “تزوتان تيوفانوف”(Tsvetan Teofanov) وهو عالم بلغاري بارز في مجال الدراسات العربية والإسلامية، بعنوان “ترجمة القرآن الكريم”(Prevod na Sveshtenia Koran)، وهي الموضوع الرئيسي لهذا التقرير.
يحتل تزوتان تيوفانوف، الأستاذ بجامعة صوفيا، مكانةً مرموقة في مجال الدراسات العربية في بلغاريا، والذي بدأ في أوائل الستينيات من القرن الماضي.
هو عالم قام ببحث معمق في القرآن الكريم والأدب والشعر في العصر العباسي، وقام بالتدريس وإدارة الجامعات في بلاده، وألقى محاضرات في العديد من الجامعات الغربية، بما فيها أكسفورد، وله مؤلفات في مجال التراث الأدبي العربي.
وبدأ تيوفانوف مساره العلمي في جامعة صوفيا، وبعد ذلك بوقت قصير توجه إلى جامعة بغداد ثم جامعة القاهرة. خُصصت رسالته للدكتوراه (التي نوقشت عام 1987 في جامعة موسكو الحكومية) لأعمال “أبو العتاهية”، الشاعر الشهير في صدر الإسلام، وكانت رسالته التكميلية لنيل درجة الأستاذية حول الشعر العربي الكلاسيكي (2001). وتولى تيوفانوف، الأستاذ بجامعة صوفية، رئاسة مركز الثقافة واللغات الشرقية في هذه الجامعة عام 1992.
بالإضافة إلى ترجمة القرآن، يُعرف بتأليفه لدراسات وبحوث حول الشرق الأوسط في العصور الوسطى وكذلك بأعماله الشعرية, كما يبدو أنه الباحث البلغاري الوحيد الذي ترجم مجموعة حديثية، وهي كتاب “رياض الصالحين” للنووي.
واعتنق الإسلام عام 1998 أثناء ترجمته للقرآن الكريم إلى البلغارية، وفي العام نفسه انتُخب رئيسا لقسم المعهد الإسلامي العالي في صوفيا، وهو حالياً عضو في الجمعية الأمريكية للمستشرقين والجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط.
ولد هذا العالم ومترجم القرآن الكريم في صوفيا عام 1952، وقام بترجمة مفاهيم القرآن الكريم إلى البلغارية لأول مرة عام 1987 م، بناء على طلب دار نشر بلغارية.
مع ذلك، استأنف تيوفانوف، ترجمة القرآن الكريم بعد تغيرات في ظروفه العامة والشخصية، وبعد عشر سنوات، قدم أول نص بلغاري لمعاني القرآن الكريم مترجماً من النص العربي الأصلي.
ونُشر هذا العمل لأول مرة عام 1997 بدعم من مؤسسة “الطيبة” السعودية، وصدرت طبعته الثانية المنقحة عام 1999، ومنذ ذلك الحين، أُعيد طبع الترجمة خمس مرات على الأقل من قِبل دور نشر بلغارية مختلفة، ودار الافتاء البلغارية، وأخيرا منظمة الشؤون الدينية التركية.
تحدث هذا المترجم البلغاري عما دفعه نحو ترجمة القرآن الكريم، وما إذا كان ذلك فضولاً أم مجرد دعوة تلقاها من ناشر بلغاري، قائلاً: في البداية لم أكن أنوي ترجمة القرآن الكريم حتى تلقيت دعوة من إحدى دور النشر البلغارية للقيام بهذا العمل الفاخر. لقد قبلت هذا العرض بسهولة دون التفكير في صعوبات تنفيذ العمل. لقد فوجئت بهذا العرض، لأن السلطات الشيوعية في بلغارستان في ذلك الوقت كانت تمنع أتباع الأديان، سواء كانوا مسيحيين أو يهوداً أو مسلمين، من ممارسة طقوسهم.
استخدام لغة العصر إلى جانب الدقة العلمية
تقدم مقدمة ترجمة القرآن لـ تئوفانوف للقراء البلغاريين أهم المفاهيم القرآنية، وتقدم سيرة مختصرة لنبي الإسلام (ص) وتاريخ صدر الإسلام. كما يتطرق تسوتان تئوفانوف إلى القضايا المعاصرة المثيرة للجدل، بما في ذلك موضوعات مثل التسامح الديني في الإسلام، والجهاد، والعلاقة بين الإسلام والعلم.
تم توخي دقة كبيرة في اختيار مفردات الآيات، ووضعت جميع التفسيرات التوضيحية داخل أقواس مربعة. تمت هذه الترجمة باللغة البلغارية الحديثة، مما أتاح للمترجم تجنب استخدام الكلمات المهجورة والقديمة؛ فقد احتفظ بعدد قليل فقط من المصطلحات العربية، وهذه العوامل جعلت ترجمته سهلة الفهم للجمهور المسلم وغير المسلم.
عند التعامل مع الآيات الكلامية والاعتقادية، فإنه يقدم عادةً ترجمة حرفية، ولكنه يضيف إليها شروحات تكميلية بناءً على تعاليم أهل السنة الشائعة (مثل الآية 5 من سورة طه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى: Vsemilostiviya, Koĭto se vŭzdigna [bezpodoben] na Trona. وينطبق النهج نفسه على بعض الآيات المتعلقة بالمسائل العبادية والاجتماعية؛ حيث يوضحها “تزوتان تيوفانوف” بالاستناد إلى وجهات نظر أهل السنة، بما في ذلك حكم نسخ زواج “المتعة” (أو الزواج المؤقت) الذي تم تناوله في هامش الآية 24 من سورة النساء. وبشكل عام، أدى نهجه إلى إنتاج نص مناسب للقراءة المتصلة وللاستشهاد به في الكتابات الأكاديمية أو الدينية أو الشعبية.











