وقد شهد هذا الحدث العلمي حضوراً لأساتذة وباحثين إيرانيين وعراقيين، وتناول إعادة قراءة التراث الأصولي لمدرسة الحلة واستقصاء دورها في تحول منهج الاجتهاد لدى الإمامية، كما عُرضت وحُللت فيه مجموعة من المقالات التخصصية في محاور الفقه والأصول والأخلاق.
وفقاً لتقرير الاجتهاد، فقد عُقد المؤتمر الدولي «مدرسة الحلة الأصولية» بالتعاون بين العتبة العباسية المقدسة، ومركز تراث الحلة، ومعهد بحوث القرآن والحديث في تاريخ ۲۰ بهمن ۱۴۰۴ (الموافق ۹ فبراير ۲۰۲۶) في قاعة اجتماعات مركز تراث الحلة بالعراق. وفي هذا المحفل العلمي، وبحضور أساتذة وباحثين من إيران والعراق، جرى استعراض وبحث التراث الأصولي للحلة، وقُدمت مقالات من قِبل جمعی من أساتذة معهد بحوث القرآن والحديث، نضع تقريرها بين أيديكم:
١. توظيف معطيات علم الأصول في تحليل آية “أولي الأمر” من منظور العلامة الحلي
طرح الدكتور مهدي نصرتيان أهور (الأستاذ المشارك بجامعة القرآن والحديث) موضوع «توظيف معطيات علم الأصول في تحليل آية أولي الأمر من منظور العلامة الحلي»، وقال في المؤتمر: إن تحليل الموضوع الحاضر مُمکن في هيكلية تتألف من خمسة محاور:
المحور الأول: تمسك العلامة في تحليل آية أولي الأمر واستفادة العصمة منها بـ «إطلاق الأمر» في آية (أطيعوا). والمقصود بهذا الإطلاق ليس المعنى الاصطلاحي، بل إن هذا الإطلاق يرجع إلى “العموم”، وكأن مقصوده من هذا الإطلاق هو ذات القاعدة التي عُرفت واشتهرت في علم الأصول بـ «حذف المتعلق مشعر بالعموم». وإذا لم يُقبل مثل هذا التحليل، فلن يحدث أي خلل من جهة النتيجة، بل ستُضاف طريقة إلى الطرق المستخدمة في تحليل الآية من قِبل العلامة، وسيكون التمسك بالعموم إلى جانب التمسك بالإطلاق.
المحور الثاني: قاعدة «استحالة اجتماع الأمر والنهي»؛ وهي من جملة القواعد الأصولية التي استخدمها العلامة في تحليل الآية المذكورة. فإذا لم يكن الإمام معصوماً وأصدر أمراً خاطئاً، فلا يجب اتباعه، وحينها يكون قد وقع أمرٌ بالتبعية ونهيٌ عن التبعية؛ الأمرُ باللحاظ الدلالة المطابقية للآية، والنهي باللحاظ الحكم العقلي، إذن فالأمر باتباع الإمام والنهي عن اتباعه في موارد الخطأ يستلزم اجتماع الأمر والنهي، وهو محال.
المحور الثالث: بهرهگیری (استفادة) العلامة من «قاعدة وحدة السياق»؛ ففي مورد خداوند (الله تعالى) لا معنى للخطأ وطاعته مطلقة، فكذلك الأمر في الإمام، ونتيجة لذلك فإن الإمام لا يخطئ في أمره ودستوره وفعله، وهو عين “العصمة”.
المحور الرابع: تحليل مفاد الوجوب والأمر والمؤلفات (العناصر) الدخيلة فيهما، وهو إحدى القرائن الأصولية الأخرى التي استعملها العلامة في تحليل الآية. فهو يقول في جزء من استدلاله في تعيين مصداق أولي الأمر: لا يمكن أن يكون المقصود منهم جميع المؤمنين، لأنه سيلزم أن يكون كل فرد مكلفاً باتباع نفسه، وفي الواقع يكون كل فرد “مطيعاً ومطاعاً” و”آمراً ومأموراً” في آن واحد، ومثل هذا الأمر محال.
المحور الخامس: أحياناً يستخدم العلامة أسلوب «الاستدلال الجدلي» وعلى مبنى المعتزلة، ولكي يقول لهم “يجب عليكم بناءً على مبناكم أن تلتزموا بعصمة الإمام”، فإنه يستفيد من تحليل علاقة الوجوب بالمصلحة النفس-أمرية. فهو يقول: إن الله تعالى قد بيّن في آية (أطيعوا) وجوب طاعة أولي الأمر، والوجوب دائماً مشروط بأن يكون الفعل مشتملاً على مصلحة. فلو استطاع غيره أن يحل محله وكان مساوياً له في الرتبة من حيث المصلحة والإمكان و… بحيث لا يكون لأحدهما مزية على الآخر، فلا ينبغي أن يكون الوجوب المذكور “عينياً”، بل يجب أن يكون وجوباً “تخييرياً”، في حين أن ظاهر الآية وإطلاقها يدلان على “التعيين”.
٢. دور الأفكار الأخلاقية في اجتهادات مدرسة الحلة الأصولية
طرح حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد باقر مير صانع (الأستاذ المساعد بمعهد بحوث القرآن والحديث) موضوع «دور الأفكار الأخلاقية في اجتهادات مدرسة الحلة الأصولية»، وقال: بصفتي باحثاً وخبيراً في المحتوى، أعددتُ تقريراً تحليلياً عن التحولات المنهجية لمدرسة الحلة، يركز بناءً على نتائج المصادر العلمية على الرابط بين الفقه والأخلاق في هذا الحقل الحضاري.
إن مدرسة الحلة الفقهية والأصولية التي تشكلت منذ القرن السادس الهجري في أرض العراق (بابل القديمة)، ليست فقط رمزاً للعقلانية النقدية، بل هي رائدة لتيار يمكن تسميته بـ «براعم الاجتهاد الأخلاقي الأولى». فبناءً على المصادر المتاحة، استطاع فقهاء كبار مثل ابن إدريس، والمحقق الحلي، والعلامة الحلي، والشهيد الأول، إدخال المفاهيم الأخلاقية من الهامش إلى متن الاستنباط الفقهي.
وتتلخص المحاور الرئيسية لهذا التحول العلمي في ثلاثة مستويات:
المحور الأول: إعادة تعريف المفاهيم الفقهية برؤية (منحى) نفسية؛ ففي هذه المدرسة ارتقت مفاهيم مثل «العدالة» من مجرد رقابة سلوكية بسيطة إلى «ملكة راسخة في النفس». وكان العلامة الحلي أول فقيه استخدم اصطلاحات علم الأخلاق لتعريف العدالة وجعلها شرطاً للصلاحيات الاجتماعية مثل القضاء وإمامة الجماعة.
المحور الثاني: تحويل الرذائل والفضائل الأخلاقية إلى موضوعات فقهية؛ ففي مدرسة الحلة أصبحت الأمور التي كانت سابقاً مجرد توصية أخلاقية تمتلك حكماً شرعياً. فعلى سبيل المثال، طُرح «الحسد» و«بغض المؤمن» كمعصية وعامل لسقوط العدالة، ووُضعت «الغيبة» و«الكبر» صراحة في زمرة المحرمات والمعاصي الكبيرة.
المحور الثالث: الأخلاق كمنبع للاستنباط؛ فقد استخدم فقهاء الحلة في موارد كثيرة التحليلات الأخلاقية لإنتاج الحكم. فمثلاً، أصدر العلامة الحلي حكماً باستحباب الإفطار في الصوم الندبي في حال دعوة المؤمن بناءً على الأصل الأخلاقي «مراعاة قلب المؤمن»، واعتبر ذلك أرجح من الاستمرار في الصوم. كما استُخدم «الإحسان العقلي» كمبنى لجواز الصدقة لغير المؤمن.
لقد قدمت مدرسة الحلة، عبر إزالة الحدود الصلبة بين الفقه والأخلاق، نموذجاً من الاجتهاد تبلغ فيه أهمية «باطن العمل» قدر أهمية ظاهره. وهذا المنهج أخرج الفقه من النظرة الظاهرية المحدودة وحوله إلى نظام تربوي وإنساني يمتلك القدرة على الاستجابة للتحديات المعاصرة.
٣. توظيف الأفكار الأصولية للمحقق الحلي في صياغة النظم الأخلاقية: قراءة في كتاب «معارج الأصول»
طرح الدكتور محمد أمين خوانساري موضوع «توظيف الأفكار الأصولية للمحقق الحلي في صياغة النظم الأخلاقية: قراءة في كتاب معارج الأصول»، وقال: بناءً على نتائج هذه الدراسة، فإن علم أصول الفقه ليس مجرد أداة لاستنباط الأحكام الشرعية، بل يمكن أن يعمل بوصفه «منهجاً لاستنباط القيم العملية للإنسان» وإطاراً منهجياً لمأسسة الأخلاق الإسلامية.
إن البحث الذي ركز على آراء المحقق الحلي يبيّن كيف يمكن الارتقاء بالأخلاق من مستوى التوصيات المتفرقة إلى نظام حيوي وعقلاني.
ويمكن بيان المنجزات الرئيسية لهذا البحث في أربعة محاور:
المحور الأول: نظام تراتبية القيم؛ حيث يثبت هذا التحقيق أن الأحكام التكليفية الخمسة (الواجب، المستحب، المباح، المكروه، والقبيح) تشكل نظام تقييم كاملاً يقوم على المعيار العقلي لـ «استحقاق المدح والذم».
المحور الثاني: الاستقلال الأخلاقي للعقل؛ حيث يبيّن المحقق الحلي، عبر التفصيل الدقيق بين «القبيح» و«الحرام»، أن عقل الإنسان يمتلك القدرة على إدراك قبح الأفعال استقلالاً عن الخطاب الشرعي؛ وهذا الأمر يمهد الطريق للربط بين الأخلاق العقلانية والوحيانية.
المحور الثالث: ماهية الإلزام الأخلاقي؛ فطبقاً لهذا البحث، يكون الأمر الأخلاقي معتبراً عندما يمتلك ثلاثة أركان: الصيغة المخصوصة، والاستعلاء (المرجعية العليا)، والقصد الجدي (الإرادة الخيرة).
المحور الرابع: تطوير المسؤولية الأخلاقية؛ بالاعتماد على قاعدة «مقدمة الواجب»، تتجاوز المسؤولية الأخلاقية ذات الفعل لتشمل توفير المقدمات وشروط تحقق الخير أيضاً؛ وهذه النظرة تحول الأخلاق من الحالة الانفعالية إلى الفاعلية النشطة.
٤. منهجية العلامة الحلي في تشخيص الموضوعات الفقهية
طرح حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد حسن الحكيم موضوع «منهجية العلامة الحلي في تشخيص الموضوعات الفقهية»، وقال: في البحث الذي ركز على كتاب «منتهى المطلب» للعلامة الحلي، جرت إعادة قراءة لأسلوب معرفة الموضوعات في الفقه العبادي في التراث الفقهي الإمامي.
إن المعرفة الدقيقة للموضوعات، بناءً على التقاليد الأصيلة للفقه الشيعي، تُعد من الشروط الأساسية للاستجابة للمسائل والاحتياجات المستحدثة للمجتمعات الإنسانية، ومن دون إعادة معرفة منهج الفقهاء في هذا المجال، فإن مأسسة الاجتهاد المعاصر ستواجه تحدياً جدياً.
اتُخذ الأثر القیم «منتهى المطلب» كمحور للتحليل والبحث. في الخطوة الأولى، جرى استخراج تصريحات العلامة الحلي النظرية في إطار المباني الفكرية والأصول والقواعد الحاكمة على معرفة موضوعات الأحكام الفقهية، وفي الخطوة الثانية، وبالاعتماد على هذه الأطر، جرى تحليل نماذج تطبيقية من أبواب الفقه العبادي بصورة مقارنة.
تظهر نتائج البحث أن العلامة الحلي، بالاتكاء على مبانٍ استدلالية وأصولية منهجية، قد عرض نموذجاً منسجماً لمعرفة الموضوعات الفقهية. وبناءً على هذا النموذج، فإن الاستناد إلى المعلومات اليقينية والاحتراز من الإرجاع إلى المجهولات، والتوجه إلى تصنيف الموضوعات وتعيين المتصدي للمعرفة في كل مجموعة، وتبيين ضوابط معرفة المقادير الشرعية وتقسيم الموضوعات بناءً على مقدار تصرف الشارع، تُعد من العناصر المفتاحية في عملية “معرفة الموضوع” (موضوعشناسی).
يستخدم العلامة الحلي في منهجه الأصول اللفظية مثل أصالة الإطلاق وأصالة الحقيقة، ورعاية تناسب السؤال والجواب، والتمايز بين القضايا الحقيقية والاعتبارية، وحجية الإجماع وتفكيك القضايا الشخصية. إن الاستخدام الهادف لطاقات العلوم الأخرى وكذلك الاستفادة من الخبرات المعرفية للمذاهب الإسلامية لتکميل عملية معرفة موضوعات الفقه العبادي، هي من المحاور الأخرى التي أولاها العلامة الحلي اهتماماً جدياً.
٥. تأثیر مدرسة الحلة (الحديثية – الأصولية) على مدرسة البحرين الحديثية
طرح الدكتور مهدي سليماني آشتياني موضوع «تأثير مدرسة الحلة الحديثية – الأصولية على مدرسة البحرين الحديثية»، وقال: إن دراسة العلاقات بين الحوزات العلمية وتأثيرها على بعضها البعض من أهم مباحث تاريخ العلوم الإسلامية. ومن بين الحوزات العلمية الإمامية، تحظى مدرسة الحلة الحديثية والكلامية بمكانة خاصة؛ لأنها في القرون من السابع إلى العاشر الهجري تركت الأثر الأكبر على المدارس العلمية الشيعية وعلماء الإمامية، وكانت “بحرين التاريخية” كأحد المراكز العلمية والحديثية تمتلك ارتباطاً واسعاً بمدرسة الحلة وورثت الكثير من الأفكار الحديثية والكلامية عنها.
من الناحية الجغرافيا التاريخية يجب القول إن بحرين التاريخية (أي بحرين القديمة) كانت تشمل أراضٍ واسعة في جنوب الخليج الفارسي تضم الكويت، والإحساء، وقطر، ودولة البحرين الحالية. هذه المنطقة منذ القرون الإسلامية الأولى كانت محل تواجد القبائل الشيعية مثل “عبد القيس” التي أدت دوراً مهماً في تاريخ الإسلام والتشيع. هذا الحضور الواسع للشيعة مهد الطريق لتشكل حوزات علمية أكثر في مباحث الفقه والحديث، والتي دخلت لاحقاً في تعامل مع المراكز الأكبر مثل الحلة.
منذ القرن السابع الهجري وما بعده، سافر الكثير من محدثي البحرين إلى الحلة لتحصيل وكسب العلم. وهذا النوع من السفر المشهور في تاريخ الحديث بـ «الرحلات الحديثية»، أدى إلى انتقال تراث الحلة العلمي إلى البحرين. ولم يقتصر محدثو البحرين على تتلمذهم لدى كبار الحلة، بل أصبحوا هم أنفسهم حلقة وصل بين هاتين الحوزتين.
ومن النماذج البارزة لهذا التعامل:
١. الشيخ راشد بن إبراهيم البحراني (ت ٦٠٥ هـ).
٢. ابن ميثم البحراني (كان حياً في ٦٨١ هـ): الفيلسوف وشارح نهج البلاغة، ومن أبرز علماء البحرين، وكان تلميذاً للعلامة الحلي والسيد ابن طاووس، وآثاره تحمل صبغة فلسفية-كلامية متأثرة بمدرسة الحلة.
٣. أحمد بن فهد الإحسائي (ت ٨٠٦ هـ): تلميذ ابن المتوج البحراني، المقيم في الحلة وصاحب الآثار الفقهية والأدبية.
٤. أحمد بن المتوج البحراني (ت ٨٢٠ هـ): من الفقهاء البارزين وكان تلميذ فخر المحققين الحلي وكتب آثاراً كلامية وفقهية متعددة.
مكانة ابن أبي جمهور في هذه المباحث: يُعد ابن أبي جمهور الإحسائي من أهم علماء البحرين الذين يظهر تأثير مدرسة الحلة الكلامية والأصولية في أفكارهم بجلاء. فقد أوجد منظومة جديدة في فكر الإمامية عبر التلفيق بين الكلام المعتزلي، والفلسفة الأرسطية، وحكمة الإشراق، والعرفان.
ومن ميزاته البارزة:
١. الاستفادة من آثار العلامة الحلي في الفقه والأصول والرجال.
٢. التأكيد على حجية الإجماع وعلم الرجال في مقابل التيار الإخباري.
٣. التأثر بابن ميثم البحراني والسيد حيدر الآملي في تلفيق الفلسفة والعرفان.
٤. تأليف آثار مهمة مثل: المجلي لمرآة المنجي، مسالك الأفهام، كاشفة الحال، عوالي اللآلي، بداية النهاية.
لقد استطاع ابن أبي جمهور بهذا المنهج ليس فقط تثبيت تراث الحلة في البحرين، بل تعزيز تيار العقلانية في الحديث والكلام الإمامي بابتكاراته. وبناءً على ذلك، فإن دراسة آثار وحياة ابن أبي جمهور هي مفتاح لفهم أفضل للعلاقات بين الحوزات العلمية الشيعية في القرون الوسطى.
خاتمة:
يُذكر أن هذا المؤتمر أتى ثمرة لعام من الجهد العلمي والتنفيذي المستمر من قِبل المراكز العلمية في إيران والعراق. وفي ختام الجلسة، مُنحت شهادات المشاركة في المؤتمر الدولي «مدرسة الحلة الكلامية» للباحثين، وتُقرر نشر المقالات المقدمة في هذا المؤتمر في مجلة «تراث الحلة» البحثية في دولة العراق وباللغة العربية.











