في حين تداولت تقارير عديدة -منذ الأشهر الأولى لحرب غزة- أنباءً عن تزايد معدلات “الهجرة العكسية” بين الصهاينة، وذلك في ظل تفشي حالة من انعدام الأمن وعدم الاستقرار داخل المجتمع الإسرائيلي، فقد أعلنت أوساط إسرائيلية مؤخراً أن معدلات الهجرة من إسرائيل تشهد ارتفاعاً مقلقاً؛ الأمر الذي أثار نقاشات على أعلى المستويات داخل الجهات الرسمية المعنية. وينبع هذا القلق في المقام الأول من تصاعد وتيرة صافي الهجرة بين الإسرائيليين، وهي ظاهرة يُتوقع أن تزداد حدتها عقب الانتخابات المقبلة التي ستحدد المسار المستقبلي لإسرائيل.
إحصائيات مقلقة حول الهجرة الصهيونية في أعقاب حرب غزة
ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، في تقرير حديث، أن نحو 150 ألف شخص غادروا إسرائيل (فلسطين المحتلة) خلال السنوات الثلاث الماضية، مما أدى إلى تحول صافي ميزان الهجرة فيها إلى السلب خلال عامي 2023 و2024، ومن المرجح أن يستمر ذلك في عام 2025 أيضاً. ووفقاً للتقرير، فإن ظاهرة “الهجرة العكسية” هذه بدأت مع الأزمة الداخلية التي أثارتها خطة حكومة بنيامين نتنياهو لإصلاح النظام القضائي في مطلع عام 2023؛ ثم جاءت حرب غزة -التي اندلعت في أكتوبر 2023- وما تلاها من صراع إقليمي، لتفاقم بشكل كبير هذا الاتجاه المقلق.
ضربة قاصمة لنقطة ضعف الصهاينة
وفي هذا السياق، صرّح سيرجيو ديلا بيرغولا، الأستاذ الفخري في الجامعة العبرية في القدس، بأن هذه هي المرة الأولى منذ قرن التي تسجل فيها إسرائيل رصيداً سلبياً مستمراً للهجرة لسنوات متتالية؛ وهو وضع استثنائي بحق. ويرى مراقبون أن التزايد الملحوظ في معدلات الهجرة الإسرائيلية إلى الخارج يستحق اهتماماً خاصاً، بالنظر إلى التاريخ الديموغرافي للكيان الصهيوني؛ إذ كانت الهجرة الوافدة مسؤولة عن 65% من النمو السكاني في الفترة ما بين عامي 1948 و1960، في حين ظلت حصتها قريبة من 20% خلال العقدين اللذين سبقا جائحة فيروس كورونا.
تُعد قضية الهجرة مسألة بالغة الحساسية ومثيرة للقلق بالنسبة للصهيونيين؛ إذ كان مغادرة فلسطين المحتلة تُعتبر لسنوات عديدة وصمة اجتماعية، بل إن إسحاق رابين -رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال حقبة السبعينيات- استخدم عبارات مهينة للغاية لوصف من هاجروا من الأراضي المحتلة. ومع ذلك، فقد اتسعت ظاهرة هجرة الصهيونيين من فلسطين المحتلة خلال العقدين الماضيين لتصبح خياراً شائعاً ومقبولاً اجتماعياً داخل ذلك المجتمع.
وفي دراسة أُجريت حول هذا الموضوع، خلص باحثون من جامعة تل أبيب إلى أن ما لا يقل عن 100 ألف إسرائيلي غادروا فلسطين المحتلة خلال عامي 2023 و2024، في حين تراوح عدد المهاجرين في عام 2025 ما بين 45 ألفاً و50 ألفاً.
عوامل ودوافع هجرة الصهاينة من فلسطين المحتلة: من الحرب إلى الأزمات الداخلية
تشير هذه الدراسة إلى أن الهجرة الإسرائيلية لا ترتبط بالحرب وحدها؛ فقد كشفت مقابلات أُجريت مع 71 إسرائيلياً هاجروا إلى الولايات المتحدة خلال عامي 2024 و2025 أن المخاوف المتعلقة بالمناخ الاجتماعي والسياسي كانت من بين الأسباب البارزة لمغادرة فلسطين المحتلة، ولا سيما في أعقاب صعود حكومة نتنياهو وما نفذته من إجراءات داخل المجتمع الإسرائيلي، مثل تعديل النظام القضائي.
صرحت ليلى لو-آري، الباحثة المتخصصة في قضايا الهجرة والديموغرافيا في إسرائيل، بأن المناخ الاجتماعي والسياسي في البلاد قد أصبح عاملاً مساهماً في موجة الهجرة الأخيرة. وتثير هذه المخاوف -التي يشاركها إسرائيليون علمانيون وليبراليون يرون أن البلاد قد وقعت تحت هيمنة اليمين المتطرف- تساؤلاتٍ جوهريةً حول مستقبل إسرائيل. وبناءً على ذلك، اختار العديد من الإسرائيليين العلمانيين الهجرة مؤخراً، مدفوعين بالقلق إزاء النفوذ المتزايد لليمين المتطرف في المجتمع، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات محتملة على مستقبل أبنائهم.
تشير التقارير إلى أن أسباب الهجرة الصهيونية لا تقتصر على الجوانب السياسية والأمنية فحسب، بل تلعب الظروف الاقتصادية أيضاً دوراً مهماً؛ إذ تعاني إسرائيل منذ فترة طويلة من ارتفاع تكاليف المعيشة، في حين تظل أسعار العقارات – ولا سيما في تل أبيب والقدس – مرتفعة.
ويقول جوناثان، وهو متخصص في مجال العقارات من فلسطين المحتلة انتقل مع عائلته إلى الولايات المتحدة، إن تكاليف السكن كانت عاملاً رئيسياً في قراره بالهجرة. وأشار إلى أن شراء شقة مساحتها 100 متر مربع في “بيتاح تيكفا”، بالقرب من تل أبيب، قد يكلف نحو مليون دولار؛ وفي المقابل، تمكنتُ أنا وعائلتي – بعد عام واحد فقط من الهجرة إلى الولايات المتحدة – من شراء منزل، وهو أمر لم نكن لنستطيع تحمل تكلفته في إسرائيل.
كابوس “هجرة العقول” الذي يواجه المحتلين
غير أن الجانب الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لإسرائيل لا يقتصر على أعداد الأشخاص الذين يغادرون فلسطين المحتلة فحسب، بل يشمل أيضاً هوياتهم.
تشير دراسة أجرتها مصلحة الضرائب الإسرائيلية إلى أن معدل الهجرة بين الإسرائيليين الأثرياء – بمن فيهم العاملون في قطاعي التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية – قد تضاعف تقريباً خلال عامي 2023 و2024 مقارنة بعام 2019. وتُظهر الدراسة أنه في حال استمرار هذا الاتجاه، فقد تصل الخسارة السنوية في الإيرادات الضريبية إلى 3.5 مليار دولار على مدى خمس سنوات. كما تبيّن دراسة أخرى أجرتها جامعة تل أبيب تزايداً في صافي الهجرة بين الإسرائيليين من الأطباء والمهندسين، وكذلك الحاصلين على شهادات في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
يحذر خبراء اقتصاد صهاينة من أن استمرار هذه الظاهرة قد يلحق الضرر بقطاع التكنولوجيا في إسرائيل — الذي يمثل نحو خُمس الاقتصاد ونصف الصادرات، ويعتمد بشكل كبير على عمالة عالية المهارة. وبطبيعة الحال، فإن العواقب المحتملة لهجرة النخب من فلسطين المحتلة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب؛ إذ يرى خبراء الاقتصاد أن رحيل العمالة الماهرة قد يزيد الضغط على الجيش الإسرائيلي — الذي يعتمد على الخدمة الوطنية وخدمة الاحتياط — ويجعل تمويل البرامج الرامية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي أكثر صعوبة.
في مسعىً للحد من ظاهرة “هجرة العقول”، أقرّت حكومة الكيان الصهيوني تدابير تهدف إلى الإبقاء على النخب والعمالة الماهرة داخل فلسطين المحتلة وتشجيع عودة المهاجرين، بما في ذلك منح إعفاءات ضريبية كبيرة على بعض أنواع الدخل الذي يحققه هؤلاء الأفراد في الخارج. وأفادت وسائل إعلام عبرية بأن المسؤولين الإسرائيليين يراهنون أيضاً على تحسّن الأوضاع الأمنية كعامل قد يشجّع عودة المهاجرين أو يجذب مهاجرين جدداً؛ غير أن هذه التدابير أثبتت عدم فعاليتها حتى الآن، ولم تُسفر عن أي نتائج ملموسة على أرض الواقع.
قال جوناثان، وهو متخصص في العقارات من فلسطين المحتلة، إن الهجرة إلى الولايات المتحدة لم تكن أمراً سهلاً بالنسبة لهم، إلا أن أموراً بسيطة – مثل الشعور بمزيد من الأمان وعدم الاضطرار للفرار إلى الملاجئ أثناء الغارات الجوية – أحدثت فرقاً كبيراً في جودة حياة عائلته. وفي هذا السياق، ووفقاً لإحصاءات نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” العام الماضي، يعيش حالياً نحو 200 ألف إسرائيلي في أوروبا. فعلى مر السنين، حصل إسرائيليون على جوازات سفر ثانية من دول الاتحاد الأوروبي – بما في ذلك ألمانيا وبولندا، فضلاً عن إسبانيا والبرتغال – التي فتحت أبوابها عام 2015 أمام اليهود الذين طُرد أسلافهم من تلك الدول في القرن الخامس عشر.
تشير التقارير إلى أن غالبية من غادروا الأراضي المحتلة يتمتعون بمستوى تعليمي يفوق نظيره لدى عموم السكان الصهاينة، إذ يحمل 26 في المائة منهم شهادات جامعية. وقد كان 54 في المائة من هؤلاء يقيمون في المناطق الوسطى ومدينة تل أبيب —وهي المناطق التي تتمتع بأعلى مستويات الرفاهية وتوفر الخدمات— في حين لم تتجاوز نسبة المهاجرين الذين عاشوا في المناطق الشمالية والجنوبية من فلسطين المحتلة 10 في المائة؛ مما يعني أن معظم الصهاينة الذين غادروا خلال تلك الفترة كانوا ينتمون إلى الطبقات الثرية والمتعلمة في ظل هذا الكيان.
توقعات بتزايد وتيرة رحيل الصهاينة بعد الانتخابات
صرح جلعاد كاريف، عضو الكنيست التابع للكيان الصهيوني ورئيس لجنة الهجرة فيه، قائلاً: “لا يمكن اعتبار تزايد هجرة الإسرائيليين مجرد هجرة عادية، بل هو أشبه بـ ‘تسونامي’ عارم؛ فقد قرر الكثير من الإسرائيليين بناء مستقبلهم في بلدان أخرى، في حين أن قلة قليلة منهم فقط تعتزم العودة. إن هذه الظاهرة تهدد صمود المجتمع الإسرائيلي، ويجب النظر إليها باعتبارها تهديداً استراتيجياًحقيقياً”.
وأضاف قائلاً: إن تزايد معدلات الهجرة الإسرائيلية هو نتيجة مباشرة لممارسات حكومةٍ أوصلت المجتمع الإسرائيلي إلى حافة الانهيار حتى قبل اندلاع الحرب، وأهملت -خلال العامين اللذين سبقا الصراع- أوضاع الجبهة الداخلية. كان من الممكن احتواء ظاهرة تصاعد الهجرة الإسرائيلية، إلا أن الحكومة الحالية تتبنى أولويات مغايرة تماماً تؤدي إلى تفاقم هذا الاتجاه المقلق؛ إذ لا تعدو أولويات هذه الحكومة كونها انتهاكاً صارخاً لمبادئ الصهيونية ولركائز المجتمع الإسرائيلي.
ومع ذلك، تشدد وسائل الإعلام العبرية على أن القلق الحقيقي ينبع من تقديرات تتعلق بهجرة الإسرائيليين في أعقاب الانتخابات. وتسود الأوساط السياسية الإسرائيلية قناعة متزايدة بأن ناقوس الخطر قد دُقَّ إيذاناً باحتمال إجراء انتخابات مبكرة، وأن المعركة لا تقتصر على فوز حزب أو خسارته، بل تتمحور بالأساس حول المسار الذي ستسلكه إسرائيل؛ وتحديداً ما إذا كانت الأولويات ستتغير أم ستبقى على حالها كما كانت في الماضي.
يشير محللون صهاينة إلى أن ما يثير القلق هو أن شريحة كبيرة ممن يفكرون في الهجرة تتألف من الأكاديميين والعاملين في الشركات التكنولوجية الناشئة. وتفيد تقارير مسؤولي الجامعات بأن العديد من أبرز طلابهم يحصلون على إجازات ويغادرون إلى الخارج؛ وقد علّق أحدهم قائلاً إنه إذا ظل الوضع في إسرائيل على حاله، فلن يسمح حتى لأبنائه بالعودة من الخارج.










