مقال | مشروعية أخذ الرسوم من مضيق هرمز من وجهة نظر فقه الإمامية

هل أخذ الرسوم من مضيق هرمز يقوم على أساس شرعي في فقه الإمامية، أم هو مجرد قانون حكومي لا صلة له بالشريعة؟

إنَّ مسألة أخذ الرسوم من مضيق هرمز ليست مجرد قرار حكومي عابر، بل هي قضية شائكة تتداخل فيها الأبعاد الفقهية والسياسية والقانونية. وقد أثبت الجدل الواسع حولها أنَّ المعارضين استندوا في الغالب إلى قوانين دولية وأعراف سابقة، متجاهلين أنَّ الفقه الإسلامي هو الأساس الذي تقوم عليه التشريعات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهذا المقال بقلم حجة الإسلام والمسلمين مرتضى ترابي يهدف إلى بيان مشروعية هذا الإجراء من منظور فقه الإمامية، انطلاقاً من أدلة الأنفال وولاية الفقيه، مؤكداً أنَّ القوانين الدولية ليست مقدَّمة على الشريعة في النظام الإسلامي.

واليكم المقال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.

المقدمة

في هذه الأيام التي يحظى فيها مضيق هرمز والأخبار المتعلقة به، ولا سيما تأثيره على الاقتصاد العالمي ومحاولات الأعداء العقيمة لفتحه، باهتمامٍ عام وخاص، ويُطرح موضوع أخذ الرسوم من السفن العابرة منه من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يُسمع أحيانًا من لسان الصديق غير المُلمّ ومن العدو على حدٍّ سواء أن أخذ الرسوم من مضيق هرمز أمرٌ غير قانوني، ولذلك لا ينبغي لإيران أن تطرحه. وبما أن هذا القول قد يولّد تساؤلاتٍ وشكوكًا في الأذهان، فإن من الواجب أن ندرس هذا الموضوع أولًا من منظور الفقه الإسلامي الشيعي؛ لأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد تأسست على أساس القرآن والسنة، وقد بذل الشعب دماءه من أجلها، كما أن الدستور ينصّ صراحةً على ذلك. لذا يجب أن تخضع القضايا للدراسة في المقام الأول من منظور الدين والمصادر الإسلامية. ثم يُنظر في الموضوع من زاوية القوانين والاتفاقيات الدولية، وأخيرًا يُجاب عن بعض الشبهات المطروحة.

وفي هذا السياق، حرّرنا هذا المقال لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:

الأول: التعرّف على الحقوق الشرعية؛ لأنه إذا أردنا أن نتنازل مؤقتًا في موقفٍ ما، فعلينا أولًا أن نعرف حقوقنا، ثم نتغاضى عنها مؤقتًا عند وجود ضرورةٍ شرعية، لا أن ندّعي منذ البداية أنه ليس هناك حقٌّ أصلًا.

الثاني: دراسة مدى إلزامية القوانين والاتفاقيات الدولية من منظور الشريعة والقانون.

الثالث: الردّ على الشبهات التي يطرحها بعض الأفراد غير المتعمّقين حول مشروعية أخذ الرسوم من منظور القواعد الفقهية.

وعليه، ومع التأكيد على أن المعيار النهائي للمشروعية في النظام الإسلامي هو الشريعة المقدسة، فإنه من الواجب دراسة موضوع أخذ الرسوم من المنظور الفقهي. ونظرًا لضيق الوقت، سنكتفي بالإشارة إلى النقاط الجوهرية المتعلقة بهذه الأهداف الثلاثة.

المبحث الأول: الأنفال وملكية الحكومة الإسلامية

1. الأنفال في الفقه الإمامي:

من المسائل المهمة التي تُطرح في فقه أهل البيت (عليهم السلام) هي ملكية الإمام (عليه السلام) للأنفال. فالأنفال من الأموال التي تُعتبر تحت سلطة الحكم الإسلامي؛ أي أن الأنفال من وجهة نظر الفقه الشيعي ليست من الأموال الخاصة ولا من الأموال العامة، ولا هي من المباحات الأولية، بل هي من الأموال الحكومية التي تكون تحت تصرّف الإمام (عليه السلام). وفي عصر الغيبة، يكون تصرّفها بطبيعة الحال بيد النائب العام للإمام، وهو الفقيه الجامع للشرائط المبسوط اليد.

قال الشيخ المفيد في بحث «الأنفال»:

«ليس لأحد أنْ‌ يعمل في شيء ممّا عدّدنا من الأنفال إلّابإذن الإمام العادل»

ويقول العلّامة الحلّي في «تذكرة الفقهاء»:

«إنّ‌ المراد بالسّلطان هو الإمام أو الحاكم الشّرعي» .

2. أدلة ملكية الحكومة الإسلامية للأنفال:

يستند هذا الأمر إلى ثلاثة أدلة لا شبهة فيها:

أ. الآية الكريمة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١].

هذه الآية تنصّ صراحةً على أن الأنفال بيد الله ورسوله، وهو في النظام الإسلامي يعني سلطة الحاكم الشرعي. وكاد جميع المفسرين يجمعون على أن معنى “لله وللرسول” ليس ملكية شخصية أو عامة، بل إن هذه الأموال تكون تحت تصرّف الرسول (صلى الله عليه وآله) ثم الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وبعدهم من يقوم مقامهم من الفقهاء مبسوطي اليد.

قال الطبرسي في ذيل الآية الكريمة: «وهي لله والرسول ولمن قام مقامه بعده».

ب. التسالم الفقهي والإجماع:

لا إشكال في أنّ‌ الأنفال لرسول اللّٰه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وتكون من بعده للإمام المعصوم (عليه السلام) – أي: لمنصب الإمامة – وهذا الحكم – مضافاً إلى كونه مسلّماً – لعلّه من ضروريات المذهب.

وبناءً عليه، يوجد إجماع في هذه المسألة، ولم يُنقل خلافٌ فيها عن أي فقيه.

ج. الأحاديث المتواترة:

منها:

1. صحيحة أبي الصباح الكناني، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «نحن قوم فرض اللّٰه طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال…».

2. رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لنا الأنفال»، قلت: وما الأنفال‌؟ قال: «منها المعادن والآجام، وكلّ‌ أرض لا ربّ‌ لها، وكلّ‌ أرض باد أهلها فهو لنا».

3. صحيح حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام): «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم وكل أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وهو للإمام بعده يضعه حيث يشاء».

4. ما نقله الطوسي في التبيان والطبرسي في المجمع: وقالا (يعني الإمام الباقر والصادق عليهما السلام): «هو لله وللرسول وبعده للقائم مقامه يصرفه حيث يشاء من مصالح نفسه ومن يلزمه مؤونته، ليس لأحد فيه شيء». وأضاف الطبرسي أن سند الروايتين صحيح.

5. ما نُقل في رسالة المحكم والمتشابه عن عليّ (عليه السّلام)، قال بعد بيان حكم الخمس: «ثُمَّ إِنَّ لِلْقَائِمِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَنْفَالَ الَّتِي كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (ص)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، فَحَرَّفُوهَا وَقَالُوا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ ، وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ الْأَنْفَالَ كُلَّهَا لِيَأْخُذُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيِ الْزَمُوا طَاعَةَ اللَّهِ أَنْ لَا تَطْلُبُوا مَا لَا تَسْتَحِقُّونَهُ فَمَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ فَهُوَ لِلْإِمَامِ». بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ج‏90، ص: 47 وسائل الشيعة ج 9 ص 530. ‏

6. صحيح اسحق بن عمار: في تفسير علي بن إبراهيم: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنِ الْأَنْفَالِ فَقَالَ: «هِيَ الْقُرَى الَّتِي قَدْ خَرِبَتْ وَانْجَلَى أَهْلُهَا فَهِيَ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، وَمَا كَانَ لِلْمُلُوكِ فَهُوَ لِلْإِمَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ خَرِبَةٍ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَكُلُّ أَرْضٍ لَا رَبَّ لَهَا، وَالْمَعَادِنُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ مَوْلًى فَمَالُهُ مِنَ الْأَنْفَالِ».

مالكية عنوان الإمامة لا شخص الإمام

فإن معنى ملكية الإمام (عليه السلام) ليس بمعنى ملكية شخصه لهذه الأموال، بل بمعنى مالكية مقام وعنوان الإمامة، ويدل على هذا المعنى ما رواه علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام) عندنا، فكيف نصنع‌؟ فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام) بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّٰه وسُنّة نبيّه».

قال السيد ابن زهرة في مالكية الإمام (عليه السلام) لميراث من لا وارث له التي هي أيضاً من مصاديق الأنفال: «… فإن عُدم جميع هؤلاء الورّاث فالميراث للإمام، فإن مات انتقل إلى من يقوم مقامه في الإمامة، دون من يرث تركته».

فيظهر من هذه الكلمات أنّ‌ ميراث من لا وارث له يكون للإمام لمقام الإمام ولا يكون ملكاً شخصياً له.

المبحث الثاني: مصاديق الأنفال وشمولها للبحار

1. تعريف الأنفال:

الأنفال – المشتقة من “النَّفْل” بمعنى الزيادة – تُطلق على الأموال التي لا مالك خاصّ لها، وهي تشمل الموارد التالية:

1. الأرض التي تؤخذ من الكفار من غير قتال.

2. الأرض التي لا ربّ‌ لها.

3. رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام.

4. ما يغنمه المقاتلون بغير إذن الإمام (عليه السلام).

5. ميراث من لا وارث له.

6. صفو الغنيمة.

7. سِيف البحار.

8. صفايا الملوك وقطائعهم.

9. البحار.

لكل مورد من هذه الموارد أبحاث تخصه، ولكن المهم في هذا المقال هو البحث عن البحار التي يدخل فيها حكم المضيق أيضاً، وهل هي داخلة في الأنفال أم لا؟ قد يظهر من بعض الفقهاء أن البحار من المباحات الأولية التي لا يملكها أحد، ولكن الرأي الصحيح عندنا هو كون البحار من الأنفال التي هي ملك لمقام الإمامة.

وممن ذهب إلى كون البحار من الأنفال: الكليني والمفيد وأبو الصلاح الحلبي وبعض الفقهاء المعاصرين:

فقد قال الأوّل في أصول الكافي بعد عدّ ما رجع إلى النبيّ‌ والأئمّة (صلوات اللّه عليهم) من غير أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب من الأنفال وأنّه للّه والرسول خاصّة، قال: «فزال عنها اسم الفيء ولزمها اسم الأنفال، وكذلك الآجام والمعادن والبحار والمفاوز فهي للإمام خاصّة».

وقال المفيد عند عدّ الأنفال من المقنعة: «والأنفال كلّ‌ أرض فتحت من غير أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب… والآجام والبحار والمفاوز…».

وقال أبو الصلاح في الكافي في الأنفال: «فرض الأنفال مختصّ‌ بكلّ‌ أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب… وبطون الأودية من كلّ‌ أرض والبحار والآجام وتركات من لا وارث له من الأموال وغيرها».

قال صاحب الجواهر (رحمه الله):

«وقد عُدّ في المقنعة من الأنفال البحار والمفاوز، كما عن أبي الصلاح الأول، ولم نقف له على دليل فيما لم يرجع إلى الأراضي السابقة من المفاوز، ولا لهما في البحار كما اعترف به غير واحد، اللهم إلا أن يكونا أخذاه مما دل من الأخبار على أن الدنيا وما فيها للإمام (عليه السلام) وعلى أن جبرئيل قد كرى برجله الأنهار الخمسة أو الثمانية، وأن ما سقت وما استقت للإمام (عليه السلام)، خصوصاً خبر حفص بن البختري وما عساه يظهر من خبر مسمع بن عبد الملك الآتي المشتمل على حكاية توليته الغوص وإتيان خمس ما حصل له».

الأدلة التي أشار إليها صاحب الجواهر هي ما يلي:

1. صحيح حفص بن البختري:

وهو ما رواه الكليني في الكافي والصدوق في الخصال ومن لا يحضره الفقيه بسند صحيح عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إنّ‌ جبرئيل كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات، ودجلة، ونيل مصر، ومهران، ونهر بلخ، فما سقت أو سقي منها فللإمام، والبحر المطيف بالدنيا» . وزاد عليها في الفقيه: «وهو أفسيكون».

فقد ذكر (عليه السّلام) هذه الأنهار الخمسة العظيمة المعروفة في تلك الأزمنة، وحكم عليها بقوله: «فما سقت أو سقي منها فللإمام». والفرق بين القسمين أنّ‌ الأوّل ما يشربها الأنهار المذكورة بنفسها وبلا علاج، والثاني يكون شربه منها بعلاج كالدلو والدوالي في الأزمنة السابقة وكالوسائل المختلفة الإلكترونية الحديثة في أزمنتنا، ثمّ‌ بعد ذلك عطف عليها بقوله: «والبحر المطيف بالدنيا»، وواضح لمن راجع الكتب الجغرافية أنّ‌ البحر المطيف بالدنيا بحر كبير واحد اتصلت جميع أجزائه ببعضها ويكون المجموع ماءً وبحراً عظيماً واحداً يحيط بجميع الأراضي الواقعة على كرة الأرض وتكون مساحته أضعاف الأرض بمراتب، فهذا هو البحر المحيط.

وأمّا ما ذكره في الفقيه تفسيراً له بقوله: «وهو أفسيكون» فالظاهر أنّه من الصدوق نفسه وليس جزءاً من الرواية، ولهذا لم يذكره الكليني في الكافي ولا الصدوق نفسه في الخصال مع أنّ‌ الرواية رواية واحدة، وهذا التفسير غير معتمد عليه؛ فإنّ‌ “أفسيكون” على ما ذكره أهل اللغة معرّب “آبسكون” وهي كلمة فارسية كانت في الأصل اسم جزيرة في سواحل طبرستان وبينها وبين جرجان أربعة وعشرون فرسخاً وقد صارت اليوم تحت الماء، وعلى أيّ‌ حال فسمّي البحر الّذي كانت هذه الجزيرة فيه باسم هذه البلدة، وهذا البحر هو «بحر الخزر» الواقع الآن في شمال إيران وممالك أخرى كأذربيجان وطاجيكستان وغيرها، وهو بحر محدود ليس مطيفاً ومحيطاً بالدنيا كما هو واضح.

فالبحر المطيف بالدنيا هو ذاك البحر العظيم الواحد وإن كان ربما سمّاه أهل كلّ مملكة باسم خاصّ‌ كبحر الهند والبحر الأحمر والمحيط الكبير والمحيط المنجمد الشمالي أو الجنوبي وغيرها، فهذه الأسماء كلّها حاكية عن بحر واحد وإن سمّي كلّ‌ جزء منها باسم خاصّ‌.

وبعد وضوح معناه فليس «البحر المطيف بالدنيا» عطفاً على الأنهار المذكورة فإنّها كانت خمسة وقد مرّ ذكر جميعها، مضافاً إلى أنّ‌ البحر المطيف بالدنيا ليس نهراً أصلاً، بل الظاهر أنّه عطف على الموصول المبتدأ في قوله «فما سقت أو سقي منها فللإمام» فلا محالة يكون حكم هذا البحر المطيف أيضاً أنّه للإمام، فالصحيحة تدلّ‌ بوضوح على أنّ‌ البحر المطيف بالدنيا للإمام (عليه السّلام).

ومثل هذه الصحيحة بل لعلّها هي ما رواه في المستدرك عن فقه الرضا:

أروي عن العالم (عليه السّلام) أنّه قال: «ركز جبرئيل (عليه السّلام) برجله حتّى جرت خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات، ودجلة، والنيل، ونهر مهربان، ونهر بلخ، فما سقت وسقي منها فللإمام، والبحر المطيف بالدنيا».

فهو كما ترى عين الصحيحة إلاّ في لفظة «مهربان» فإنّ‌ الموجود في الصحيحة كما عرفت «مهران» وهو الموافق لكتب اللغة. وكيف كان فمدلوله هو مدلول الصحيحة بعينه. فيدلّ‌ على أنّ‌ البحر المحيط بالدنيا بل البحار والبحيرات كلّها للإمام (عليه السّلام).

2. الروايات التي تدل على أن الأرض بما فيها ملك للإمام (عليه السلام):

نقل الكليني عدة روايات بهذا المضمون في باب بنفس العنوان، نشير إلى موردين منها:

أ. ما رواه الكليني والشيخ بإسنادهما الصحيح إلى عمر بن يزيد قال: رأيت مسمعاً بالمدينة قد كان حمل إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في تلك السنة مالاً فردّه أبو عبد اللّه (عليه السّلام)، فقلت له: لمَ ردّ عليك أبو عبد اللّه (عليه السّلام) المال الّذي حملته إليه‌؟

فقال لي: إنّي قلت له حين حملت إليه المال: إنّي كنت وُلّيت البحرين الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئتك بخمسها بثمانين ألف درهم وكرهت أن أحبسها عنك وأن أعرض لها وهي حقّك الّذي جعله اللّه تبارك وتعالى في أموالنا، فقال: «أوما لنا من الأرض وما أخرج اللّه منها إلاّ الخمس‌؟! يا أبا سيّار، إنّ‌ الأرض كلّها لنا، فما أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا»، فقلت له: وأنا أحمل إليك المال كلّه‌؟ فقال: «يا أبا سيّار، قد طيّبناه لك وأحللناك منه، فضمّ‌ إليك مالك، وكلّ‌ ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون حتّى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم، وأمّا ما كان في أيدي غيرهم فإنّ‌ كسبهم من الأرض حرام عليهم حتّى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم صَغَرَة…» الحديث.

واللفظ الّذي نقلناه هو من الكافي، والتهذيب نحوه إلى قوله: «يقوم قائمنا» الأوّل، وبعده هكذا: «فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم فإنّ‌ كسبهم… إلى آخره».

بيان دلالته: أنّ‌ مورد البحث وموضوعه في الحديث هو المال الحاصل من اكتساب الغوص، والغوص لا محالة يحصل من المياه والبحار، فإذا قال الإمام (عليه السّلام): «إنّ‌ الأرض كلّها لنا فما أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا» فقد دلّ‌ على أنّ‌ الغوص الحاصل من البحر ممّا أخرجه اللّه من الأرض، فيستفاد منه أنّ‌ الأرض المذكورة شاملة لما عليها من الماء وأنّ‌ الشيء الخارج من البحار أيضاً يكون ممّا أُخرج من الأرض. والحاصل: أنّ‌ كلامه يدلّ‌ على أنّ‌ المقصود بالأرض معنى شامل للبحار الواقعة فيها.

وعليه فيدلّ‌ قوله المذكور على أنّ‌ الأرض بالمعنى الشامل للبحار وما يخرج اللّه منها من شيء فهو للإمام (عليه السّلام)، واللام ظاهرة الدلالة على كون مفاد الضمير مختصّاً باختصاص مناسب بمجرورها، والاختصاص المناسب في المقام هو الولاية، أي الولاية أو الملكية الفائقة على الملكية الاعتبارية الثابتة لآحاد الناس لأموالهم، أو فقل إنّ‌ ملكية الناس في طول ملكية واختصاص الإمام لا في عرضه. فأريد من اللام الاختصاص والسلطة الّتي لوليّ‌ الأمر على أراضي أو مياه البلاد الّتي تحت ولايته، فمدلول الرواية أنّ‌ الأرض – بمعناها الوسيع – وما أخرج اللّه منها من الأشجار والنبات والثمار والحبوب حتّى مثل ما يخرج من البحار من الأسماك والغوص فكلّ‌ ذلك واقع تحت اختيار وليّ‌ الأمر يفعل بها ما يكون فيه صلاح الأمّة، فالرواية من أدلّة إثبات سعة دائرة ولاية الوالي الإلهي على جميع الأرض وما يتعلّق بها.

فالإشكال بأن دلالة هذه الرواية على ملكية الإمام (ع) لما سقت أو استقت وعلى ملكية البحار والغوص ينافي ضرورة الفقه من كون أنّ‌ أهل الأرض أيضاً مالكون لشيء من الأرض والشجر والزرع باشتراء وإحياء وإرث ونحوها من أسباب الملك، وقد صُرّح بهذا المعنى في باب إحياء الموات وغيره في روايات متعدّدة، فإرادة الاختصاص الملكي من كلامه (عليه السّلام) غير ممكنة، في غير محله.

نعم قد يُشكل في سند الرواية من ناحية عمر بن يزيد حيث إنه مشترك بين عمر بن يزيد بيّاع السابري مولى ثقيف الثقة وعمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل الّذي لا دليل على وثاقته، ولا دليل على أنّ‌ المذكور هنا هو الأوّل فإنّ‌ ابن محبوب يروي عن الثاني وكلاهما من أصحاب الصادق (عليه السّلام) نعم يمكن اثبات اعتباره لرواية ابن ابي عمير عنه الذي لا يروي الا عن ثقة فيثبت اعتبار الرواية.

ب. الحديث المنقول عن الإمام الباقر (عليه السلام):

صحيح ابي خالد الْكَابُلِيِّ‌ و هو ما رواه عن محَمَّدُ بْنُ‌ يَحْيَى عَنْ‌ أَحْمَدَ بْنِ‌ مُحَمَّدِ بْنِ‌ عِيسَى عَنِ‌ ابْنِ‌ مَحْبُوبٍ‌ عَنْ‌ هِشَامِ‌ بْنِ‌ سَالِمٍ‌ عَنْ‌ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ‌ عَنْ‌ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ‌ السَّلَامُ‌) قَالَ‌: «وَجَدْنَا فِي كِتَابِ‌ عَلِيٍّ‌ (عَلَيْهِ‌ السَّلَامُ‌) ﴿إِنَّ‌ الْأَرْضَ‌ لِلّٰهِ‌ يُورِثُهٰا مَنْ‌ يَشٰاءُ‌ مِنْ‌ عِبٰادِهِ‌ وَالْعٰاقِبَةُ‌ لِلْمُتَّقِينَ﴾‌ أَنَا وَأَهْلُ‌ بَيْتِيَ‌ الَّذِينَ‌ أَوْرَثَنَا اللَّهُ‌ الْأَرْضَ‌ وَنَحْنُ‌ الْمُتَّقُونَ‌ وَالْأَرْضُ‌ كُلُّهَا لَنَا، فَمَنْ‌ أَحْيَا أَرْضاً مِنَ‌ الْمُسْلِمِينَ‌ فَلْيَعْمُرْهَا وَلْيُؤَدِّ خَرَاجَهَا إِلَى الْإِمَامِ‌ مِنْ‌ أَهْلِ‌ بَيْتِي».

3. إلغاء الخصوصية من عنوان: «كلّ أرض لا ربّ لها»:

فإن العرف لا يرى خصوصية للأرض، فالأرض والجو والبحر كل ما لا رب له فهو داخل في هذا الحكم.

سبب عدم تعرض أكثر الفقهاء لحكم البحار

أما لماذا لم يتناول الفقهاء موضوع البحار في كتبهم الفقهية، فقد يكون السبب ما ذكره المرحوم المؤمن القمي، حيث يقول ما ملخصه:

«عدم تعرض كثير من علمائنا لذكر ذلك يعود إلى أن البحار في العصور الماضية لم تكن مصدرًا ذا بال للاستفادة، سوى في الحدود المعتادة، كمرور السفن الخشبية عليها، وأحيانًا الاستفادة من الغوص بأدوات بسيطة، بخلاف عصرنا الذي أصبحت فيه البحار مصدرًا هائلًا للاستخلاصات الاقتصادية…».

المبحث الثالث: الردّ على بعض الشبهات

1. قاعدة «القديم يُترك على قدمه»

استدلّ بعضهم بقاعدة فقهية مفادها: «القديم يُترك على قدمه»، وادّعوا أنه بما أنّه لم يُؤخذ حتى الآن أيّ رسوم من مضيق هرمز، فيجب أن يستمر الوضع على حاله، ولا يجوز فرض رسوم أو ضرائب الآن.

النقد:

المصادر الموثوقة التي ذكرت هذه القاعدة أوردتها مع ذيلٍ مهمّ لم يُذكر في كلام المستشكل، وهو: «ولا يُغيّر إلا بحجة».

لذا، إذا وُجدت حجةٌ شرعية، فلا يكون للقدم أيّ أثر في إثبات صحّة المسألة.

في كتاب «درر الحكام في شرح مجلة الأحكام»:

«الْقَدِيمُ يُتْرَكُ عَلَى قِدَمِهِ. يَعْنِي: أَنَّ الْقَدِيمَ الْمُوَافِقَ لِلشَّرْعِ يَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ عَلَى حَالِ الْقَدِيمِ مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُدَّةً طَوِيلَةً دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ عَلَى حَقٍّ مَشْرُوعٍ فَيُحْكَمُ بِأَحَقِّيَّتِهِ – وَهَذِهِ الْمَادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَاعِدَةِ (مَا كَانَ قَدِيمًا يُتْرَكُ عَلَى حَالٍ وَلَا يَتَغَيَّرُ إلَّا بِحُجَّةٍ)».

ثم أضاف قائلاً: «أَمَّا الْقَدِيمُ الْمُخَالِفُ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَلَا يُتْرَكُ عَلَى قِدَمِهِ مَهْمَا تَقَادَمَ عَهْدُهُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يَكُونُ قَدِيمًا».

قال الزحيلي:

«إن وجود الشيء في الماضي يعتبر باقياً باستصحاب الحال، سواء كان ثبوت الملك الماضي بالبينة أو بإقرار المدعى عليه، ويعتبر ذلك أصلاً يعتد به، ما لم يوجد ما يغيره، فإذا وجد ما يغيره فهو اعتراض على الأصل ودليل على خلافه فيبطله، ويعمل بالثاني. وهذه القاعدة قريبة من قاعدة “الأصل بقاء ما كان على ما كان” حتى يثبت ما يغيره ويزيله، فيحكم بما ثبت خلافاً للأصل».

وفي الحقيقة، هذه القاعدة فرعٌ من فروع قاعدة الاستصحاب، ومن الواضح أن أصل الاستصحاب لا يُعتمد عليه إلا عند عدم وجود دليل؛ لأن الأصل يعتمد عليه حيث لا دليل.

وفي مسألة الأنفال، يوجد دليل قطعي (آية + أحاديث + إجماع) يُثبِت ملكية وتصرّف وليّ الأمر. لذا، لا يمكن لاستصحاب “عدم الرسوم” أن يقاوم هذا الدليل الشرعي.

2. التنافي مع القوانين الدولية

يدّعي بعضهم، مستندين إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي وقّعتها معظم دول العالم (نحو 170 دولة)، أن إيران ليس لها الحقّ في أخذ رسوم من مضيق هرمز، وأن هذا يخالف الاتفاقية التي تُعدّ جزءًا من القانون الدولي.

النقد:

أولاً: إيران ليست طرفًا في هذه الاتفاقية، وبالتالي فهي ليست ملزمةً بها. ففي العالم اليوم اتفاقيات كثيرة لا تطبّقها الدول غير الأعضاء فيها…

ثانيًا: القوانين الشرعية التي نحن ملتزمون بها طبقًا للدستور حاكمة ومقدمة على القوانين والاتفاقيات الدولية، وهذه مسألةٌ معترفٌ بها حتى في الأعراف الدولية نفسها.

ثالثًا: العمل بالاتفاقية في ظلّ الظروف التي ينتهك فيها الطرف المقابل كلّ القوانين الدولية التي اتّفق الجميع عليها —مثل تحريم الاعتداء والعدوان— أمرٌ غير مقبول. إن القوانين الدولية تُطبّق فقط عندما تكون لصالحهم؛ أما حين لا تكون كذلك، فيدوسونها تحت أقدامهم. ففي هذه الظروف الالتزام بالقانون الدولي الذي يكون لصالح الجانب المعتدي غير مقبولٍ عقلاً، ولا شرعًا، ولا عرفًا، ولا يقبله عاقلٌ في الدنيا أن يتحمّل مثل هذا الذلّ.

قال تعالى:

وَ لَنْ‌ يَجْعَلَ‌ اللّٰهُ‌ لِلْكٰافِرِينَ‌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‌ سَبِيلاً

فَمَنِ‌ اعْتَدىٰ‌ عَلَيْكُمْ‌ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ‌ بِمِثْلِ‌ مَا اعْتَدىٰ‌ عَلَيْكُمْ‌

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ

بناءً عليه، فإن الاحتجاج بالاتفاقية كمانعٍ لأحقية أخذ الرسوم من المضيق ليس صحيحًا.

خامسًا: أثبتت الأحداث الأخيرة أن إيران ملزمةٌ —من أجل أمنها— باتخاذ ترتيبات خاصة في هذا المضيق، وهذه الترتيبات لا بدّ أن تترتّب عليها تكاليف، ويجب أن تُؤخذ هذه التكاليف من مستخدمي هذا الممرّ المائي. وهذا بطبيعة الحال ليس خيارًا، بل هو أمرٌ لا مفرّ منه.

الخاتمة

بناءً على ما سبق، يتّضح ما يلي:

1. البحار من مصاديق الأنفال، وهي تحت تصرّف الحكومة الإسلامية.

2. أخذ الرسوم من السفن العابرة مشروعٌ تمامًا من وجهة نظر الفقه الإمامي.

3. الادّعاء بعدم قانونية هذا الإجراء ناتجٌ عن غفلةٍ عن الأسس الفقهية للحكومة الإسلامية، وعن سوء فهمٍ للقواعد الفقهية مثل: «القديم يُترك على حاله».

4. حتى لو اقتضت المصلحة في ظرفٍ ما التنازل المؤقت عن هذا الحقّ، فإن ذلك لا يعني نفي الحقّ ذاته.

والحمد لله ربّ العالمين

مرتضى ترابي، الحوزة العلمية بقم 28 ذي الحجة 1447

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

نوشته های مرتبط

منشورات ذات صلة

Related posts

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

آخرین مطالب

أحدث المحتوى

Latest News

پربحث ترین مطالب

المحتوى الأكثر مناقشة

The Most Discussed

Scroll to Top