إنّ قضيّة “الثقة بالنفس الوطنيّة والسعي في مسار تعزيزها” كانت من أهمّ القضايا التي أكّد عليها الإمام الشهيد آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) في فترة قيادته، حيث تُعتبر هذه السمة، من وجهة نظره، المحرّك الأساسيّ للتقدّم والعمود الفقريّ لاستقلال شعبنا وعزّته في مختلف الأبعاد.
ومن وجهة نظر إمامنا وقائدنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، فإنّ الثقة بالنفس الوطنيّة تعني الإيمان القلبيّ للشعب بمقولة “نحن قادرون”. وممّا لا شكَّ فيه أنّه بتحقيق هذه المقولة، علاوةً على تحييد الحرب النفسيّة للعدوّ، سنشهد ازدهارًا أكبر للطاقات والقدرات الوطنيّة في شتّى المجالات، وبذلك تتهيّأ الأرضيّة الأساسيّة للتقدّمات العلميّة والتكنولوجيّة في كافّة أرجاء البلاد.
محيي الثقة بالنفس الوطنيّة
في هذا السياق، صرّح الدكتور حميد رضا يزدانيّ، عضو الهيئة التدريسيّة في مجمّع كليات الفارابي التابع لجامعة طهران، قائلًا: كان من آثار وبركات سيرة إمامنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) وكلماته وإرشاداته، أنّه في العقود الأخيرة تمّ إحياء “الثقة بالنفس الوطنيّة” بالمعنى الحقيقيّ للكلمة في بلادنا.
وأشار الدكتور إلى تأكيد الإمام الشهيد الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) ومطالبة الخاصّة بضرورة تحقيق “الحركة البرمجيّة وإنتاج العلم” في البلاد، وقال: إنّ أحد أهمّ مؤشّرات فترة قيادته هو السعي الشامل لتحويل العلم والمعرفة إلى القوّة والاقتدار للبلاد، وهو ما نراه في إطار قضيّة “إنتاج العلم والحركة البرمجيّة”.
الحراك الكبير لإيران الإسلاميّة في مسار التقدّم العلميّ
وأضاف: في هذه الفترة، تمّ التركيز بشكلٍ خاصٍّ على تغيير مكانة إيران من مستهلكٍ للعلم إلى منتجٍ له. وبدأ هذا الحراك بالاستثمار في العلوم التي تُعتبر “حافّة التكنولوجيا” كتقنيّات النانو، والطاقة النوويّة، والخلايا الجذعيّة، وكان الهدف الرئيس هو ألّا تحتاج إيران الإسلاميّة في تقدّمها إلى إذنٍ أو مساعدةٍ من القوى الأجنبيّة.
وتابع مبيّنًا: إنّ العنصر الرئيس الآخر في فترة قيادة الإمام الشهيد الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) يتعلّق بمسألة بناء السدّ الأمنيّ “سياسة الردع”، بمعنى أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة بنت استراتيجيّتها الدفاعيّة على أساس إبعاد التهديد عن الحدود. وفي هذا السياق، ومع تطوير القدرات الصاروخيّة والطائرات المسيّرة ودعم المجموعات الحليفة في المنطقة، تمّ خلق نوعٍ من القوّة الردعيّة التي جعلت تكلفة أيّ هجومٍ عسكريٍّ على إيران باهظةً جدًا للأعداء، وهذا الأمر بحدّ ذاته أدّى إلى استقرارٍ أمنيٍّ داخليٍّ، حيث شهدنا بعض آثاره في حرب الأيّام الاثني عشر المفروضة، وخصوصًا في حرب رمضان.
تحقيق الاقتصاد المقاوم مع التأكيد على معرفة جيل الشباب
وفي استكمالٍ لكلامه، أكّد الدكتور حميد رضا يزدانيّ على السعي الدؤوب لتحقيق الاستقلال الاقتصاديّ بالاعتمادِ على عنصر الصمود، وأضاف: إنّ تأكيد قائدنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) على مفهوم الاقتصاد المقاوم يعني بلغةٍ بسيطةٍ بناء اقتصادٍ لا ينهار أمام العقوبات والضغوط الخارجيّة. وقد تمّت متابعة هذا العمل من خلال دعم المنتجات المحلّيّة، وتوسيع الشركات القائمة على المعرفة، وكذلك السعي لإحلال الصادرات غير النفطيّة محلّ الاعتماد المطلق على عوائد النفط.
ثمّ أردف قائلًا: إنّ القضيّة المهمّة التالية تتعلّق بمقولة “إحياء الهويّة الوطنيّة-الإسلاميّة” التي أكّد عليها إمامنا وقائدنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) وأصرّ عليها كثيرًا. في الواقع، من الناحية الثقافيّة، كان التركيز الرئيس على الوقوف في وجه نمط الحياة الغربيّ والعودة إلى القيم المحلّيّة والدينيّة. وقد تمّ تعريف هذه السمة بهدف بناءٍ مجتمعٍ يتمتّع بالثقة بالنفس الوطنيّة ويستمدّ نموذج تقدّمه لا من الغرب، بل من جذوره التاريخيّة والدينيّة الخاصّة به.
ضرورة تبيين منهج القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) من قبل الخبراء
وقال هذا الأستاذ الجامعيّ: إنّ نوع قيادة إمامنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) وكلامه وإرشاداته قد مهّدت الأرضيّة لإحياء الثقة بالنفس الوطنيّة، وهي حقيقةٌ يعترف بها الأصدقاء والأعداء، ويجب تحليل أبعاد هذا الإنجاز المختلفة تحليلًا خبيرًا ودقيقًا.
وأضاف مبيّنًا: باختصار، إذا أردنا تلخيص هذه الفترة في جملةٍ واحدةٍ، فإنّ سمتها الرئيسة هي “بناء قوّةٍ مستقلّةٍ في عالمٍ متعدّدٍ الأقطاب”. في الواقع، حاول هذا النموذج من الحكم أن يثبت إمكانيّة الوصول لأي بلدٍ إلى التقنيّات المتقدّمة والحفاظ على أمنه دون الانصهار في النظام العالميّ الذي يهيمن عليه الغرب، والمهمّ هو أن يستمرّ هذا الطريق بقوّةٍ من قبل الشباب والعلماء والأساتذة والمسؤولين حتّى نحقّق جميع الأهداف المحدّدة مسبقًا في الوثائق العليا للبلاد.
العزيمة والإرادة الوطنيّة؛ ضرورةٌ لحلّ مشاكل البلاد
من جهتها، صرّحت نرجس شكرزادة، الكاتبة والباحثة الحوزويّة، بأنّ أحد أهمّ مؤشرات تعزيز الثقة بالنفس الوطنيّة من وجهة نظر القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة هو الاهتمام بمسألة “العزيمة والإرادة الوطنيّة”، قائلةً: يقول القائد في موضعٍ: «ما لم يكن لدى شعبٍ عزيمةٌ راسخةٌ لا يمكنه الوصول إلى مكانٍ ما، فيسعى الأعداء لزعزعة عزيمة الشعب في القضايا الهامّة المتعلّقة بمصير البلاد، وإثارة الشكوك فيها، وضخّ الشعور بالحقارة الوطنيّة بدلاً من الشعور بالعزّة والثقة بالنفس الوطنيّة، وزرع الشبهات وانعدام المعتقد الدينيّ بدلاً من الإيمان الراسخ، والبحث عن الملذّات والشهوات بدلاً من العمل والجهد والهمّة العالية؛ فهذه هي الأعمال التي ينجزها الأعداء».
وأضافت مبيّنةً: من أجل تعزيز العزيمة الوطنيّة، نحتاج بالطبع إلى الاهتمام المتزامن بالقضايا الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وأن يمتلك المديرون وصنّاع القرار في البلاد نوعًا من الإدارة والفاعليّة بحيث يرى الإنسان في مجال الثقافة العامّة هذه العزيمة والإرادة نفسها في الأبعاد الوطنيّة. عندما يعزم الشعب والمسؤولون معًا، فإنّ ألدّ الأعداء – بحول اللّه وقوّته – لن يتمكّنوا من فعل شيءٍ في مواجهة مثل هذا الشعب.
الأمل بالمستقبل؛ ممهّدٌ لنموّ المجتمع
وقالت شكرزادة أيضًا: لقد كانت توجيهات إمامنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) وإرشاداته طوال هذه السنوات بحيث جعلت شعبنا وجيلنا الشابّ، بالتوكّل على اللّه والاعتماد على ما يمتلكونه من مقوّماتٍ، أن يخطوا بقوّةٍ في مسار النموّ والازدهار العلميّ. وهذا في الوقت الذي كانت فيه تهديدات العدوّ أمامنا بالطبع، ولكنّ ما أدّى إلى دفع الأمور إلى الأمام، بعد عناية اللّه تعالى، هو روح النضال والأمل بالمستقبل في مجتمعنا، وهي مسألةٌ يجب أن تظلّ موضع اهتمام شعبنا ومسؤولينا.
وأضافت: إذا انتبهنا إلى توجيهات قائدنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) وتصريحاته، ندرك أنّه، من وجهة نظره، فإنّ الثقة بالنفس الوطنيّة تُعدّ جذر الأمل، والأمل بدوره يجعل نخب البلاد وشبابها يعقدون العزم على حلّ مشاكل بلدنا العزيز بدلاً من اليأس، وربّما الهجرة إلى الخارج. والأمر الأهمّ هو أن يقوم المسؤولون وصنّاع القرار في البلاد بتهيئة المجالات المناسبة للنشاط العلميّ للشباب.











