مقال | “الدم ينتصر دائمًا على السيف”؛ إعادة قراءةٍ لسنّةٍ إلهيّةٍ في معادلات القوّة

صرّح حجّة الإسلام زين العابدين بأنّ القوى الكبرى قد تتمتّع بتفوّقٍ عسكريٍّ واقتصاديٍّ، غير أنّه بناءً على تصريحات القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، لا يمكن لأيّ قوّةٍ أن تصمد أمام شعبٍ ينزل إلى الساحة متسلّحًا بالإرادة والتضحية؛ وهي حقيقةٌ يؤيّدها القرآن الكريم ويصدّق عليها.

كتب حجّة الإسلام السيّد محمّد زين العابدين، الكاتب والخبير الدينيّ، في مقالٍ له تحت عنوان “الشعب؛ المكوّن الأساسيّ للقوّة” ما يلي:

إنّ علماء الاجتماع كانوا على الدوام يبحثون عن مكوّنات القوّة في المجتمع. فالقوّة العسكريّة والاقتصاديّة، وعدد السكّان، والتكنولوجيا، يمكن أن تُعدّ من هذه المكوّنات. غير أنّ السؤال المطروح هو: هل تكفي هذه العناصر وحدها لضمان استمراريّة القوّة؟

وفي الإجابة عن ذلك، أشار العديد من المنظّرين الاجتماعيّين إلى عاملٍ يتجاوز هذه العناصر. فقد طرح عالم الاجتماع الفرنسيّ إميل دوركهايم مفهوم “الضمير الجمعيّ”، أي مجموعة المعتقدات والمشاعر المشتركة التي تسود بين أفراد المجتمع، والتي يتمثّل دورها في خلق التماسك والهويّة الجماعيّة. ويرى دوركهايم أنّ أيّ مجتمعٍ يمتلك وعيًا جمعيًّا أقوى يكون أكثر قدرةً على الصمود في مواجهة الأزمات والتهديدات.

إنّ المكوّن الأساسيّ للقوّة، بلا شكّ، هو الإرادة الجماعيّة للشعب. فقد تمتلك دولةٌ ما أقوى القدرات العسكريّة والاقتصاديّة، لكنّها قد تعجز عن الصمود أمام إرادة شعبٍ مصمّمٍ. وهذه ليست مجرّد توصيةٍ سياسيّةٍ، بل سنّةٌ إلهيّةٌ ثابتةٌ. وقد بيّن سماحة آية اللّه العظمى الإمام السيّد علي الخامنئيّ هذه الحقيقة لأحد القادة الأفارقة بقوله: «كلّما كانت الشعوب مستعدّةً للتضحية وبذل الأرواح ودخلت إلى الميدان، فلن تكون هناك أيّ قوةٍ قادرةٍ على مقاومتها. إنّ الدم ينتصر دائمًا على السيف عندما تنزل الشعوب إلى الساحة». وقد تأثّر ذلك القائد الإفريقيّ بهذه الكلمات، فأطلق بعد فترة حركةً في بلاده.

وهذه الحقيقة ثابتةٌ في نظام الخلق، ولا يمكن أن يقع خلافٌ لها. فقد قال اللّه تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

ويمكن توضيح هذه الحقيقة حتّى من خلال ملاحظاتٍ بسيطةٍ في الحياة اليوميّة. فكثيرًا ما نشاهد أنّه عندما يطالب الناس بالإفراج عن شخصٍ سُجن بسبب ديونٍ ماليّةٍ، يُطلق سراحه. وكذلك عندما تتشكّل إرادةٌ جماعيّةٌ للدفاع عن مظلومٍ ما، تضطرّ هياكل السلطة الرسميّة إلى التراجع.

وقد جسّد الإمام الخميني (رحمة اللّه عليه) هذه السنّة الإلهيّة ببراعةٍ في بنية نظام الحكم، إذ قال: «لسنا بصدد أن نفرض أمرًا على شعبنا، فالإسلام لم يسمح لنا بممارسة الديكتاتوريّة. نحن نتبع آراء الشعب، وشعبنا كيفما صوّت فإنّنا نتبع صوته».

ومن هذا المنطلق كان الإمام الشهيد السيّد علي الخامنئي (رضوان اللّه تعالى عليه) يؤكّد أنّ المشاركة في الانتخابات أهمّ حتّى من اختيار الأصلح؛ إذ كان يكرّر أنّه إذا لم يكن الشعب حاضرًا في الساحة، فلن يمتلك حتّى الشخص الأصلح القدرة على إحداث التغيير. أمّا إذا تحقّقت مشاركةٌ واسعةٌ، فإنّ هذا الحضور نفسه يتحوّل إلى قوةٍ رادعةٍ وبنّاءةٍ.

واستنادًا إلى القرآن الكريم، يبيّن سماحته مكانة المؤمنين الرفيعة، إذ يقول اللّه تعالى في الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 62]، ويعلّق سماحته قائلًا: «إنّ اللّه تعالى يضع المؤمنين في مصافّ نصره؛ أي لو لم يساعد المؤمنون النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لما تحقّق له الانتصار».

نوشته های مرتبط

منشورات ذات صلة

Related posts

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top