دعا آية الله السيد ياسين الموسوي، إمام جمعة بغداد والأستاذ البارز في حوزة النجف الأشرف، الحكومة العراقية إلى مراجعة سياساتها السياسية والاقتصادية، محذراً من تداعيات الانحياز إلى الولايات المتحدة في الصراع الدائر مع إيران، ومن القرارات الاقتصادية غير المدروسة التي تزيد الأعباء المعيشية على المواطنين، ولا سيما الفئات الفقيرة وأصحاب الدخل المحدود.
وقال السيد الموسوي، في خطبته السياسية يوم الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إن الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا وعدداً من الدول الأوروبية، وصولاً إلى الولايات المتحدة، على خلفية ارتفاع الأسعار وتراجع الأوضاع الاقتصادية، تكشف عن تحولات في المعادلات السياسية والاقتصادية العالمية، مشيراً إلى أن تداعيات الحرب على إيران باتت تنعكس على الاقتصادات الغربية وأسواق الطاقة.
وأضاف أن التعامل الغربي مع الاحتجاجات يكشف عن ازدواجية في المعايير، موضحاً أن القوى الغربية التي تنتقد تعامل الحكومات الأخرى مع الاحتجاجات الشعبية تمارس بدورها العنف ضد المتظاهرين عندما يتعلق الأمر بمصالحها الداخلية. واعتبر أن هذه المواقف تعكس استمرار منطق الهيمنة الاستعمارية في إدارة العلاقات الدولية، بعيداً عن الاعتبارات الإنسانية التي يجري الترويج لها.
وأشار السيد الموسوي إلى أن ارتفاع أسعار النفط وما يرافقه من اضطرابات في الأسواق يرتبط بالتطورات الميدانية في المنطقة ومضيق هرمز، مؤكداً أن الأسواق العالمية تتفاعل مع الوقائع الفعلية، وليس مع التصريحات السياسية وحدها. ولفت إلى أن الاحتجاجات في الولايات المتحدة ضد سياسات ترامب والحرب على إيران تعكس، وصول التداعيات الاقتصادية للصراع إلى الداخل الأمريكي، وليس بالضرورة تضامناً إنسانياً مع الشعب الإيراني.
وشدد على أن العراق ينبغي أن ينطلق في تحديد موقفه من الصراع من حسابات المصلحة الوطنية والواقع الجغرافي والسياسي، محذراً من أن الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران قد يجر البلاد إلى مخاطر لا تتحملها. وقال إن أمام العراق خيارين أساسيين: إما الانخراط في الصراع إلى جانب أحد أطرافه، وإما الحفاظ على الحياد، مؤكداً أن اتخاذ موقف عدائي تجاه إيران مع التعويل على الحماية الأمريكية لا يستند، إلى تقدير واقعي لموازين القوى والمصالح.
وتساءل السيد الموسوي عن جدوى الرهان على الولايات المتحدة لحماية العراق، في وقت تتحدث فيه تقارير إعلامية عن سحب قوات أمريكية من عدد من دول المنطقة، بينها الكويت والإمارات ودول أخرى. وأكد أن على صناع القرار العراقيين الاستماع إلى الشعب ومراعاة مصالحه قبل اتخاذ قرارات قد تعرض البلاد لمواجهة عسكرية أو أزمات اقتصادية أشد، محذراً من تكرار تجارب سابقة دفعت البلاد إلى كوارث بسبب سوء تقدير المواقف الإقليمية والدولية.
كما دعا القوى السياسية العراقية إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية، وعدم اختزال إدارة الدولة في مواقف شخصية أو تصريحات من قبيل تحمل المسؤولية بصورة فردية، مشيراً إلى أن مصير البلاد واقتصادها ومعيشة شعبها لا يمكن أن يُدار بمنطق التحدي الشخصي، بل يحتاج إلى رؤية مؤسساتية وخبرة وتخطيط علمي.
وفي الشأن الاقتصادي، أكد السيد الموسوي ضرورة التمييز بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي، موضحاً أن إدارة اقتصاد الدولة لا تقتصر على المعرفة الأكاديمية أو الشهادات، بل تتطلب فهماً للخيارات الاقتصادية التي تحدد طبيعة توزيع الثروة وإدارة الموارد وعلاقة الدولة بالمواطنين. واستشهد بكتاب «اقتصادنا» للشهيد السيد محمد باقر الصدر، داعياً المسؤولين إلى الاستفادة من الرؤى الاقتصادية التي طرحها الكتاب في فهم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
وانتقد السيد الموسوي السياسات المالية التي أدت، إلى إضعاف القوة الشرائية للدينار العراقي وتأخير صرف الرواتب، محذراً من أن ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدخل يجعلان الرواتب عاجزة عن تغطية احتياجات الأسر طوال الشهر.
وأوضح أن إغلاق المنافذ الحدودية مع إيران أسهم، في تقليص تدفق بعض السلع إلى الأسواق العراقية، ما انعكس على أسعار المنتجات الزراعية وغيرها من المواد الأساسية. ودعا إلى دراسة القرارات المتعلقة بالمنافذ والتجارة الخارجية دراسة دقيقة، وعدم اتخاذ إجراءات متسرعة من دون تقييم آثارها المباشرة على السوق والمستهلك.
وحذر إمام جمعة بغداد من أن استمرار الغلاء والفقر وتراجع القدرة الشرائية قد يؤدي إلى اتساع الاحتجاجات الشعبية، مؤكداً أن الجوع والضائقة المعيشية من أخطر العوامل التي تهدد الاستقرار الاجتماعي. وشدد على أن معالجة الأزمات الاقتصادية تتطلب قرارات مدروسة، وسياسات واضحة، ومصارحة المواطنين بحقيقة الأوضاع، بدلاً من الإجراءات الارتجالية التي تزيد معاناتهم.
وفي ختام خطبته، أكد السيد الموسوي أن انتقاداته تنطلق من الحرص على مصلحة العراق وشعبه، لا من دوافع شخصية أو رغبة في الإساءة إلى المسؤولين، معرباً عن أمله في أن يوفق الله المسؤولين إلى اتخاذ القرارات الصحيحة والتخلي عن الأساليب الصبيانية، والعمل بجدية على معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية، وصون مصالح المواطنين، ولا سيما الفقراء وأصحاب الدخل المحدود.











