بين أمة الإسلام وأمة المسلمين(فوارق ومهالك)

وقد توقف العلماء عند هذه العناوين بالشرح والتفاصيل، ذاكرين حقيقة ما تتقوّم به هذه العناوين، وكانت لهم وقفات مهمة عند اجتماع مفردتي الإسلام والإيمان في النص القرآني، وكذلك افتراقهما، فقالوا: "إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا"، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا.

سبق للعلماء أن ميّزوا بين أمة يجمعها الزمان أو المكان، وبين أمة يجمعها الدين، وهذا ما أكده الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات، فقال: “الأمة كل جماعة يجمعها أمر مشترك، سواء كان دينًا واحداً، أو زمانًا واحداً، أو مكاناً واحداً…”.وانطلاقًا من ذلك، نرى ضرورةً للتمييز بين الأمة التي أخرجها القرآن الكريم لتكون خير أمة، وبين أمة إسلامية تتخذ من الإسلام شعارًا ودثارًا دون أن يكون لها معناها الديني الحقيقي، وهذا يعود بنا إلى حقيقة ما يتمايز به الناس من إسلام وإيمان وإحسان.

وقد توقف العلماء عند هذه العناوين بالشرح والتفاصيل، ذاكرين حقيقة ما تتقوّم به هذه العناوين، وكانت لهم وقفات مهمة عند اجتماع مفردتي الإسلام والإيمان في النص القرآني، وكذلك افتراقهما، فقالوا: “إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا”، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا. 

فالمؤمن يتمايز عن المسلم في كونه أعلى درجةً منه، وهو أخص من المسلم، وكما جاء في الرواية عن أهل البيت(ع)، أن المؤمن هو من صدّق بالله وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر، وانقاد لشرع الله ظاهرًا وباطنًا…وقد روي عن الامام الصادق(ع):” المؤمن مؤمنان: مؤمن وفى لله بشروطه التي شرطها عليه، فذلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين…ومؤمن زلّت به قدم كخامة الزرع كيفما كفئته انكفأ، وذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا والآخرة، ويشفع له وهو على خير.”. أما المسلم، فهو من نطق بالشهادتين والتزم بالإسلام ظاهرًا، وغالبًا ما يكون أعرابيًا، كما قال الله تعالى:”قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم، وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتِكم من أعمالكم شيئاً.

إن الله غفور رحيم.”. وهنا اجتمع الإيمان والإسلام، فافترقا وتمايزا، وفي ضوء هذه التعريفات والتوصيفات، يمكن لنا التمييز بين أمة الإسلام، وأمة المسلمين، فنقول: إن الأمة الإسلامية هي أمة القرآن، كما قال الله تعالى:” كنتم خير أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله…”.

إنها أمة الدين واليقين، وقد وصّفها القرآن الكريم في كثير من الآيات، أمة ملتزمة بأمر الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، وهكذا يفترض أن تكون الأمة الإسلامية دائماً، لا أن يكتفي الناس بظاهر الإسلام، ثم يأتون بكل منكرٍ في ناديهم الديني والسياسي! كما هو حال أمة المسلمين في تاريخها!

فلم يُعرف عن أمة أنتجت من الفراعنة والطواغيت ما أنتجته أمة المسلمين! إذ لم يبق من الإسلام إلا الإسم، ومن القرآن إلا الرسم، وهذا ما وصّف به الإمام علي(ع) حال الأمة وما ستؤول إليه في تاريخها، فقال:” وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه، ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر….”.

هذا هو توصيف حال الأمة عند  الإمام علي(ع)، وليس من المبالغة في شيء أن نقول عن أمتنا اليوم، أنها على كل شيء من هذا البلاء المبين!، لا أنها تتميّز به اليوم بما طرأ عليها من ذلك، فقد سبق لها أن تلبّست بهذه المواصفات في تاريخها، فهي منذ وفاة النبي(ص) تعيش انعدام الخيرية، وتنبذ الكتاب وراءها، تمامًا كحالها اليوم، فلم يحدث لها أن تمايزت بحق في تحولاتها الإنسانية والحضارية!

وكلنا نحفظ عن ظهر قلب مقالةً نسبت للشيخ محمد عبده رحمه الله، أنه ذهب إلى الغرب فوجد إسلاماً، ولم يجد مسلمين، لما رآه من نظام وقانون،  وحقوق، ومصالح للعباد والبلاد، وعاد إلى بلاد المسلمين، فوجد مسلمين، ولم يجد إسلامًا! وهذه هي الحقيقة التي نتعايش معها اليوم، ونعجب منها، وكيف لا نعجب، والأمة الإسلامية على مثل هذه الهجرة في دينها ودنياها!

فالناس الذين يتزاحمون على إقامة الصلاة، ويؤدون العبادات، ويسرعون إلى بناء المساجد في بلاد العرب والمسلمين، تراهم يسكتون عن مقالة بحق، ولا يكترثون لموت إخوانهم في فلسطين، ولبنان، والسودان وفي كل بلاد المسلمين!، وكأنهم لم يسمعوا شيئًا عن تعاليم الإسلام في نصرة المظلوم، وإطعام المساكين، ورعاية الأيتام!

فتركوا أهل غزة يموتون جوعًا وعطشًا، يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، وكأنه لا أمة لهم! ثم ترى قمم العرب والمسلمين تعقد لأجل الدفاع المشترك على أنقاض بلادهم وشعوبهم! فهل هناك أمة إسلامية تعي معنى قوله تعالى: “خذوه فغلّوه، ثم الجحيم صلُّوه، ثم في سلسلة ذرعُها سبعون ذراعًا فاسلُكوه، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحُضُّ على طعام المسكين…”!؟

فأين هي الأمة الإسلامية التي تعي حقيقة الموقف الإيماني في نصرة المظلوم، والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب الإسلامية؟ نعم، فلتستعد أمة المسلمين بأعرابها، ومنافقيها، ومجرميها، لسلاسل من العذاب بعدما أخفقت في إيمانها، وخالفت أمر ربها في ما تسبّبت به من قتل وجوع وإبادة جماعية لأيتامها ومساكينها! ذلك أن الاستحقاق للعذاب قد جاء معللًا في آيات الله تعالى بعدم الإيمان، وعدم الحض على الإطعام، فكيف بمن قتل وشرّد فقراء المسلمين؟

وهذا إنما نذهب إليه بدلالة العطف والاقتران في الآيات القرآنية التي عرضنا لها سابقًا!؟ فالفارق كبير وكبير بين أمة أخرجها القرآن، لتكون خير أمة، وبين أمة تكّذب بالدين، وتقتل المسلمين، وتوالي الكفار والمنافقين، وتجعل لهم سبيلًا على المؤمنين. فالله لا يُخدع عن جنته، ولا يُنال ما عنده إلا بطاعته. والسلام.

نوشته های مرتبط

منشورات ذات صلة

Related posts

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top